تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
عليه إلَّا أوتوا الجدل ثم تلا قول اللَّه تعالى : * ( ما ضَرَبُوه لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ‹ 58 › ) * « ومنها حديث رواه الطبري ( 1 ) عن أبي كريب عن أحمد بن عبد الرحمن عن عباد بن عباد عن جعفر بن القاسم عن أبي أمامة جاء فيه : « إنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خرج عليهم وهم يتنازعون في القرآن فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صبّ على وجهه الخلّ ثم قال لا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض فإنه ما ضلّ قوم قط إلَّا أوتوا الجدل ثم تلا قول اللَّه : * ( ما ضَرَبُوه لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ‹ 58 › ) * » . والمتبادر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أراد من الجدل الذي غضب منه ونهى عنه ما يكون مقصودا به اللجاج والحجاج والعناد والتعنت وأراد من تعبير : ( لا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض ) لا تتجادلوا في آيات قد يبدو ظاهرها مناقضا لظاهر آيات أخرى جدالا يؤدي إلى تكذيب آيات اللَّه ببعضها . والحق أن على المسلم واجب الإيمان بأنه ليس في كتاب اللَّه اختلاف ولا تناقض . وأن عليه في حالة قصور فهمه عن إدراك حكمة اللَّه في عبارة قرآنية أو في حالة توهمه مناقضة بين آية وأخرى أن يبحث عن حل وتأويل وتفسير في الآيات الأخرى أو يفوض الأمر إلى علم اللَّه وحكمته ويعترف بقصور الفهم واحتمال التوهم . والعقل الإنساني مهما اتسع يظل قاصرا عن إدراك كلّ كلام اللَّه وآياته وحكمته ونواميسه والمغيبات عنه . ومع ذلك فإن المرء لواجد في القرآن إذا آتاه اللَّه فهما وأناة لكل آية مطلقة أو مشكلة في الظاهر تأويلا وتفسيرا وتوضيحا وحلا في آيات أخرى بحيث يصح القول إن القرآن إذا اعتبر ككل وهو حق وواجب لا يوجد فيه أي تناقض ولا غموض ولا إشكال . وقد حاولنا في السور السابقة أن نجد لكل ما يبدو في الظاهر مطلقا أو مشكلا أو غامضا أو متناقضا تأويلا وحلا وتوضيحا وتوفيقا . ونرجو أن يكون اللَّه قد سددنا
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآية في تفسير الطبري . في التاج حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة مقارب في صيغته لهذا الحديث وهذا نصه : « خرج علينا رسول اللَّه ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمرّ وجهه كأنما فقىء في وجنتيه الرّمان فقال : أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم ؟ إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم عزمت عليكم ألَّا تتنازعوا فيه » التاج ج 4 ص 223 .