في الآيتين الأوليين عود إلى التذكير بآيات اللَّه وقدرته ونواميسه في كونه ، ومنافع الناس منها مما يمكن أن يقال إن الآيات الثلاث التي قبلها جاءت كجملة استطرادية ، إما لتسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم وتقويته والتنويه به كما قال المفسرون وإما لذكر أقوال ومواقف أخرى للكفار كما تبادر لنا . وعلى كل حال فالصلة قائمة بين هذه الآيات والسياق السابق .
وقد احتوت الآيتان الأولى والثانية إشارة إلى مخالطة الماء الحلو بالماء المالح عند ملتقى البحرين أي البحر والنهر وعدم طغيان المالح على الحلو مع ذلك كأن بينهما برزخا وسدّا ، وإلى خلق اللَّه تعالى البشر من نطف مائية فكان منهم النسل الذي منه النسيب ومنه الصهر مما فيه البرهان على قدرة اللَّه تعالى واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع . أما الآية الثالثة فقد نحت باللائمة على الكفار وسخفهم . فهم لا يتدبرون في عظمة اللَّه وحكمه ونعمه فيعبدون غيره ما لا ينفعهم ولا يضرهم فيكونون في ذلك مظاهرين على ربهم الحقيقي وواقفين ضده .
وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً ونَذِيراً ‹ 56 › قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّه سَبِيلًا ‹ 57 › وتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِه وكَفى بِه بِذُنُوبِ عِبادِه خَبِيراً ‹ 58 › الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِه خَبِيراً ‹ 59 › .
في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن اللَّه تعالى لم يرسله إلَّا مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم وليس عليه إلَّا الدعوة إلى اللَّه ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ ، وعليه أن يقول للناس إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل اللَّه ورضائه ، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على اللَّه الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي