تكرر هذا الأسلوب في سور عديدة مرت أمثلة منها . وفي الآية دليل تكرر كثيرا على أن تعبير ( الكتاب ) للقرآن كان يطلق على ما كان ينزل منه تباعا وقبل أن يتم تمامه .
أما الآية الثانية فقد احتوت سؤالا استنكاريا عن استغراب الناس لاختصاص اللَّه تعالى رجلا منهم لينذرهم ويبشر المؤمنين بما لهم عند اللَّه من المنزلة الرفيعة المضمونة ، وحكاية لقول الكافرين عن هذا الرجل بأنه لساحر بارع .
ولا يروي المفسرون فيما اطلعنا عليه شيئا في صدد نزول الآيتين . والمتبادر من فحواهما وفحوى ما يأتي بعدهما أنهما في صدد حكاية مواقف وعقائد المشركين والتنديد بها بصورة عامة ، والأرجح أنها نزلت في صدد موقف من مواقفهم المتكررة المتجددة .
وقد تكرر ما حكته الآية عن الكفار . وجاء ذلك في سورة الإسراء التي سبقت هذه السورة مباشرة في النزول حسب ما روته الروايات . ولعل التساوق بين أخريات سورة الإسراء وبداية هذه السورة ثم في ما حكته السورتان من أقوال الكفار ومواقفهم المتشابهة قرائن على صحة رواية نزول هذه السورة بعد تلك السورة .
ولقد احتوت الآية ردا على استغراب الكفار وعجبهم ونسبتهم السحر إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وانطوى في هذا الرد تسفيه مفحم لهم ، فالساحر يبقى في حدود الأفعال والأقوال والمظاهر الوضيعة الدنيوية التي تمتزج بالخداع والكذب والتخييل ، وتستهدف منافع وأغراضا خاصة ، في حين أن الرجل الذي جاءهم قد جاء داعيا إلى اللَّه ومكارم الأخلاق ، ونذيرا للناس حتى يتقوا اللَّه ، وبشيرا للمتقين بالمنزلة الكريمة الرفيعة .
وتكرار حكاية أقوال الكفار المتشابهة في سور متعاقبة يفيد أنهم كانوا
التفسير الحديث — صفحة 444
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٤٤٤