مظاهر الكون وآياته ونواميسه ، وتوكيد ربوبيته واستحقاقه للخضوع والذكر والشكر وحده ، وتقريع الكفار وتسفيههم . فقدرة اللَّه تعالى وعظمته ماثلتان في الريح وما تحركه من سحاب وما ينزل من هذا السحاب من ماء على الأرض التي تكون ميتة فإذا هي بعد ذلك تعجّ بالحياة ، مما فيه دليل على قدرة اللَّه على بعث الناس ونشرهم بعد الموت ، وفي خلق الناس من تراب ثم من نطفة ثم صيرورتهم أزواجا مما فيه دليل على يسر إحاطة علمه بكل شأن من شؤونهم من حمل ووضع وطول عمر وقصره . وفي البحار وما بينها من فروق في الطعم وما فيها للناس من منافع عظيمة من لحم طري يأكلونه وأحجار كريمة يتحلون بها وفلك تجري فيها فتيسر لهم أسباب الرزق . وفي حركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار في نطاق دقيق محكم فيه منافع عظيمة للناس .
ففي كل هذا دلائل باهرة على أن اللَّه هو الرب الحقيقي للناس الذي له الملك والحكم وحده في الأكوان ، والذي يستحق وحده الخضوع والعبادة والذكر والشكر ، أما الذين يشركهم المشركون في الدعاء معه ويدعونهم من دونه من الآلهة والأرباب فإنهم لا يملكون من هذا الكون العظيم شيئا حتى ولا قشرة نواة ، وهم لا يسمعون دعاء الداعين ، وليس في استطاعتهم أن يستجيبوا لشيء من مطالبهم حتى لو سمعوا دعاءهم ، ولسوف يتبرأون يوم القيامة من مشركيهم ، وهذا هو الحق الذي لا يتحمل مراء لأنه صادر من خبير عليم . والكلمة الحق هي ما كان صادرا من خبير عليم .
وقد تخلل الآيات التي قررت ما شرحناه تقريرات متصلة بالدعوة وأهدافها ، ومحتوية تقريعات وإنذارات للكفار كنتيجة لما هدفت إليه الآيات . فالعزة الحقيقية للَّه جميعا لا يشاركه فيها مشارك . وعلى من أراد الوصول إلى الكرامة والرضاء الرباني أن يسلك سبيله فيقول الحق ويعمل الخير ، أما الذين يمكرون ويتآمرون على السوء ويدبرون المكائد والأذى للناس فلهم العذاب الشديد ، واللَّه تعالى كفيل بإحباط مكرهم وإفساد مكائدهم .
التفسير الحديث — صفحة 113
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص١١٣