تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
وإن كان الشك في بقاء الموضوع لبعض الأمور الخارجية كالشك في بقاء وصف الاضرار في السم لاحتمال أن يكون قد تصرف الهواء فيه بحيث زال عنه وصف الاضرار ، فظاهر الشيخ - قدس سره - جريان الاستصحاب فيه إذا بنينا على حجية الاستصحاب من باب إفادته الظن بالبقاء لا من باب التعبد . وهذا الكلام من الشيخ - قدس سره - بمكان من الغرابة ! بداهية أن الظن المعتبر في باب الاستصحاب على القول بإفادته الظن إنما هو الظن النوعي لا الظن الشخصي ، فإنه لم يحتمل أحد اعتبار الظن الفعلي في جريان الاستصحاب ، والظن المعتبر في باب الظن بالضرر إنما هو الضرر الشخصي الفعلي ، فان العقل إنما يستقل بقبح الاقدام على الضرر المظنون فعلا ، واستصحاب بقاء الضرر في السم لا يوجب حصول الظن الفعلي ، وذلك واضح . وعلى كل حال : ينبغي في المقام من تحرير الكلام في جميع موارد الشك في موضوعات الأحكام العقلية ، وإن كان قد سبق منا الكلام فيه . وقبل ذلك ينبغي التنبيه على أمر : وهو أنه ليس في الأحكام العقلية ما يستقل العقل بالبراءة فيها عند الشك في الموضوع الذي يحكم العقل بقبحه ( 1 ) بل للعقل حكم طريقي في صورة الشك
هامش
( 1 ) أقول : قد تقدم منا الإشارة إلى أن الأحكام العقلية سنخان : سنخ منها تابع وجدان العقل ، بحيث يكون دركه مقوم حكمه ، وهذا كحسن شئ لديه أو قبحه ، فان حقيقة الحسن ليس إلا عبارة عن ملائمة الشئ لدى القوة العاقلة - كسائر ملايمات الشئ لدى سائر قواه من السامعة والذائقة وغيرهما - قبال ما ينافر لدى القوة العاقلة ، فيسمى بالقبح - نظير سائر المنافرات لدى سائر القوى - وجميع هذه القوى في الحقيقة من آلات درك النفس وجنوده ، فالمدرك هو النفس بتوسيط هذه القوى . وعلى أي حال : بعدما كان قوام حسن الشئ أو قبحه بالدرك المزبور يستحيل تصور الشك في بقائه عند طرو ما يزيل مقدمات دركه . نعم : ما هو قابل للشك هو مناط حكم العقل : من المصالح والمفاسد ، وهو أيضا أجنبي عن الأحكام العقلية ، بل هو مناط أحكامه ، كما أنه ربما يكون مناطا للأحكام الشرعية أيضا ، وهذا بخلاف الاحكام الاستكشافية : من مثل استحالة اجتماع الضدين والنقيضين لديه ، فان دركه طريق إلى الاستحالة الواقعية ولا يكون مقوم استحالته ، نعم : تصديقه بالاستحالة طريق فهمه إياه ، وفي مثله ربما يطرء الشك في استحالة الشئ ، ومنه حكمه باستحالة التكليف بما لا يطاق واعتبار القدرة واقعا مع إمكان الشك فيه من جهة احتمال عدم قدرته . وحيث عرفت ما ذكرنا ظهر لك : أنه في صورة احتمال فقدان ماله دخل في حكمه الواجداني يستحيل حينئذ أن يحتمل حكمه المتقوم بدركه ووجد انه بل في هذه الصورة يجزم بعدم الدرك ، إذ يستحيل خفاء الوجدانيات على الوجدان ، إذ مرجعه إلى الشك في تصديق نفسه بشئ ، وهو كما ترى ! ومع الجزم بعدم دركه الحسن التكليف بما لا يطاق واعتبار القدرة واقعا مع إمكان الشك فيه من جهة احتمال عدم قدرته . وحيث عرفت ما ذكرنا ظهر لك : أنه في صورة احتمال فقدان ماله دخل في حكمه الواجداني يستحيل حينئذ أن يحتمل حكمه المتقوم بدركه ووجد انه بل في هذه الصورة يجزم بعدم الدرك ، إذ يستحيل خفاء الوجدانيات على الوجدان ، إذ مرجعه إلى الشك في تصديق نفسه بشئ ، وهو كما ترى ! ومع الجزم بعدم دركه الحسن المساوي لعدم حسنه لديه أين شك فيه كي يبقى مجال حكمه بايجاب الاحتياط في رتبة شكه ؟ غاية ما في الباب ليس إلا احتمال المصلحة المقتضية لحكمه بحسن الشئ عند دركها ، وهذا الاحتمال لو كان موضوع حكم العقل بايجاب الاحتياط ، فيلزم حكمه به في كل شبهة حكمية أو موضوعية بدوية ، لاحتمال وجود ملاكه فيه ، ومرجع هذا الكلام إلى أن الأصل في الأشياء لدى العقل الحذر . ولعمري ! إن ذلك مسلك سخيف لا يعتنى به ، إذ العقل مستقل بالرخصة في صورة عدم البيان على الحكم الشرعي ولو مع احتمال ملاك حكمه . نعم : ما أفيد من الشك صحيح في الاحكام الاستكشافية : من مثل استحالة التكليف بغير المقدور ولا يطاق ، ولكن الشك في الاستحالة لا يوجب أيضا حكم العقل ظاهرا على وفقه ، وإلا فيلزم حكمه بعدم التكليف مع الشك في القدرة ، مع أنه ليس كذلك ، بل العقل مستقل بوجوب الاحتياط عند الشك به بملاحظة أن موضوع حكمه بالترخيص إنما هو في صورة الشك في أصل الغرض ، وأما مع العلم به أو الشك في قابلية المحل لاستيفائه فهو داخل في حكم العقل بالاحتياط ، وعمدة النكتة فيه : هو أن هم العقل في باب الامتثال على تحصيل غرض المولى الكاشف عن تمامية المصلحة في عالم القضية فعلية خطابه ، ولذا لم علم من الخارج تمامية غرضه لما يحتاج إلى خطابه في وجوب تحصيله عقلا ، بل لو فرض صدور خطاب عن مولاه اشتباها على خلافه لا يجب اتباعه ، وذلك أقوى شاهد على أن تكاليف المولى طرا طرق إلى ما هو موضوع حكم العقل بوجوب الاتيان بلا موضوعية لفعلية إرادة المولى فيه ، وحيث كان الامر كذلك ، فمع دلالة الخطاب على تمامية الغرض وعدم قصور في ناحية الملاك في وفائه بغرض مولاه وشك في قصور المورد عن توجيه التكليف ، فقد تم ما على المولى بيانه ، فيخرج المورد عن باب العقاب بلا بيان ، إذ المفروض : أن المصلحة لا قصور في تماميته في عالم الغرضية للمولى ، وإنما القصور لو كان فإنما هو في تمكن العبد على تحصيله ، فمع العلم بعدم القدرة لا يبقى لحكم العقل مجال بتحصيله ، ومع عدم علمه به واحتمال القدرة في حقه يحكم حكما طريقيا بالاقدام على الامتثال ، لتمامية البيان وأن المانع عنه هو العجز الواصل لا مجرد الشك فيه ومن هذا الباب أيضا الشك في وجود المزاحم الأهم أو المساوي ، إذ مرجع الشك فيه إلى الشك في القدرة على إتيانه ، بل الامر فيه أوضح ، لأن الشك في القدرة فرع كون المقتضي للقدرة التكليف بالأهم بوجوده واقعا ، وإلا فلو كان المقتضي له تنجزه فيقطع بعدم تنجز الأهم الملازم للقطع بقدرته على المهم وإن كان التكليف به مشكوكا . ومن هذا الباب : الشك في كل مزاحم ولو كان وجوده مانعا عن محبوبيته ، كما هو الشأن في باب اجتماع الأمر والنهي ، إذ المصلحة في اقتضاء التكليف تام بلا قصور فيه ، وإنما القصور في المحل من جهة عدم قابليته للتكليف لوجود المزاحم ، ولذا نقول : إنه مع الجهل بنهي المولى تكليفا أو موضوعا يجب الحركة على وفق المصلحة ما لم يكن ذلك أيضا من جهة في قدرته ، وإلا فالعقل أيضا يحكم على طبق المزاحم الأهم . والعجب كل العجب عن المقرر ! ! حيث التزم بسراية هذه الجهة إلى كل حكم عقلي ، بخيال أن المناط في حكم العقل بالاحتياط عند الشك في القدرة لمحض الشك في حكم العقل بضميمة تصور الشك في مطلق الأحكام العقلية ، فتدبر نرى في كلام المقرر من الخلط العظيم ! ! .
فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 453 | الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني / الشيخ آغا ضياء الدين العراقي / الشيخ رحمة الله الرحمتي الأراكي