ومع هذا كيف يقول صاحب المنار : " أولئك عن ذكر الله معرضون " ولو كان هذا
النوع من الاستعانة موجبا لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة
بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضا موجبة للغفلة عنه .
على أن الأعجب من ذلك هو كلام شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل -
في هذا المجال - نص كلمات عبده دون زيادة ونقصان ، وختم المسألة بذلك ،
وأخذ بظاهر الحصر في ( إياك نستعين ) غافلا عن حقيقة الآية وعن الآيات
الأخرى المتعرضة لمسألة الاستعانة ( 1 ) .
نقد نظر ثالث :
وهناك رأي آخر يتوسط بين الرأيين ، وهو أنه تجوز الاستعانة بالأسباب الطبيعية
في الحوائج الحيوية ، ولا تجوز الاستعانة بالأسباب غير العادية إلا إذا كان بصورة
التوسل والاستشفاع إلى الله سبحانه .
وهذا القول وإن كانت عليه مسحة من الحق ولمسة من الصدق إلا أنه ليس عينه .
فإن المنع عن الاستعانة بالأسباب غير العادية إذا لم يكن بكلا النحوين خاطئ فإنه
إن كان لأجل كونه مستلزما للشرك ، فالمفروض عدمه ، إذ المستعين إنما يستعين ،
باعتقاد أن المستعان إنما يعين بالقدرة المعطاة له من الله سبحانه ، ويعملها بإذنه
ومشيئته . وطلب العون مع هذا الاعتقاد لا يستلزم الشرك . ومع فرضه فأي فرق بين
الممنوع ( طلب العون ) والمجاز وهو التوسل والاستشفاع ؟
وإن كان المنع لأجل عدم وجود القدرة فيهم على الإعانة ، فهو مناقشة وهو
هامش
( 1 ) راجع تفسير شلتوت : 36 - 39 .