الشرك ، والحيدة عن جادة التوحيد ! ! وسموا فاعله مشركا ، حتى أنه اتفق لي أن التقيت
ذات يوم بواحد من " هيئة الأمر بالمعروف " في المسجد الحرام ، فاتفق أن صدر
مني تكريم بانحناء رأسي - أثناء ذلك اللقاء - وإذا بذلك الشخص يقول - في جد
وانزعاج - :
لا تفعل هذا . . . إنه شرك محرم . . . لا تحني رأسك إنه شرك ! !
والحق أنه لو كان معنى الشرك والتوحيد هو كما ما يراه الوهابيون ويقولون به ، إذا
لما أمكن أن نمنح لأي أحد تحت هذه السماء وفوق هذه الأرض ( هوية الموحد )
ولما استحق أحد أن تطلق عليه تلك الصفة أبدا .
لقد نقل لي صديق ثقة أن إمام المسجد النبوي وخطيبه : الشيخ عبد العزيز كان
يقول في تحديد الشرك :
( إن كل تعلق بغير الله شرك ) !
أقول : لو كان معنى الشرك هو هذا الذي يقوله إذن لا بد أن نعتبر كل البشر على
هذه الأرض مشركين ، بلا استثناء ، حتى الوهابيين أنفسهم ، لأنهم يتوصلون إلى
تحقيق مآربهم وتنفيذ حاجاتهم عن طريق التعلق والتوسل بالأسباب مع أنه
لا يمكن أن يقال إن الأسباب والعلل هي الله ، بل هي غير الله ، فينتج هذا أن يكون
تعلقهم بالأسباب وتوسلهم بالعلل توسلا بغير الله ، وتعلقا بسواه !
في حين أن هذا النوع من التعلقات والتشبثات ليست لا تعد شركا فقط بل هي
( عين التوحيد وصميمه ) لأن حياة الإنسان في هذه الدنيا مشدودة إلى الأسباب
والعلل .
غاية الأمر أن عليه أن لا يعتقد لهذه الأسباب والعلل أي استقلال وانقطاع عن
الإرادة الإلهية العليا ، بل لا بد أن يعتقد بتأثيرها تبعا لمشيئته سبحانه ، نعم إن التعلق
بالأسباب والعلل الظاهرية المادية قد يكون ( عين التوحيد ) من جهة ،
التوحيد والشرك في القرآن — صفحة 126
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٢٦