فالمقصود من قوله سبحانه : ( وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا )
وما شابهها مما تقدم في أول البحث هو الدعوة العبادية التي كان المشركون
يقومون بها أمام اللات والعزى ومناة أو الأجرام الفلكية والملائكة والجن ، وكأن
الآية تريد أن تقول : ( فلا تعبدوا مع الله أحدا ) .
فلو نهى القرآن الكريم عن إشراك غير الله معه سبحانه في العبادة ، فأي ربط لهذه
المسألة بمسألة دعوة الصالحين وطلب الحاجة منهم مما يقدرون عليها بإذن الله
وإقداره :
فإذا قال القرآن الكريم :
( والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ ) ( الرعد - 14 ) .
( والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ) ( الأعراف - 197 ) .
( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) ( الأعراف - 194 ) .
( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ) ( فاطر - 13 ) .
( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) ( الأنعام - 71 ) .
( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) ( يونس - 106 ) .
وما سواها من الآيات مما يوجد في القرآن بوفرة ، فكل هذه الآيات مرتبطة
بالدعوة التي تكون عبادة للأصنام والكواكب والملائكة والجن ، باعتبار أنها آلهة
صغار وباعتبار أنها معبودات ومدبرة للكون وشفعاء تامي الاختيار ، ولا مرية في
أن أية دعوة تكون هكذا ، تكون مصطبغة - لا محالة - بصبغة العبادة ، فأي ربط لهذه
الآيات بدعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم مع الاعتقاد بأنهم لا يقدرون على
شئ بدون الإذن الإلهي ، ومع الاعتقاد بأنهم لا يملكون أي مقام إلهي وربوبي
وتدبير ، وما شابههما ؟ ! فهل يمكن قياس الدعوتين بالأخرى ، وبينهما بون شاسع .
التوحيد والشرك في القرآن — صفحة 101
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٠١