أيضا حقيق بغاية التأكيد والتحقيق ، لما تقرر في فطرة العقلاء ، مع اختلاف الأديان
والآراء من التوجه إلى العلو عند الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء .
أجيب : بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة ، حتى تكاد
تجزم بنفي ما ليس في الجهة كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى صلاحهم والأليق
بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في التشبيه ، وكون الصانع في أشرف الجهات ، مع
تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عما هو من سمات الحدوث ، وتوجه العقلاء إلى السماء
ليس من جهة اعتقادهم إنه في السماء بل من جهة أن السماء قبلة الدعاء ، إذ منها تتوقع
الخيرات والبركات وهبوط الأنوار ونزول الأمطار إه .
وقال بعضهم : ليس في ذلك دليل على كونه في الجهة ، وهذا لأنهم أمروا بالتوجه
في الصلاة إلى الكعبة وليس هو في جهة الكعبة ، وأمروا برمي أبصارهم إلى موضع سجودهم
حالة القيام في الصلاة وليس هو في الأرض ، وكذا حال السجود أمروا بوضع الوجوه
على الأرض وليس هو تحت الأرض ، فكذا هنا بل تعبد محض وخضوع وخشوع إ ه .
تحقيق نفيس في نفي الجهة عن الله تعالى للإمام حجة الإسلام الغزالي
وقال حجة الإسلام الغزالي : في كتاب " الإقتصاد في الاعتقاد " إنه تعالى ليس في
جهة مخصوصة من الجهات الست ، ومن عرف معنى لفظ الجهة ومعنى لفظ الاختصاص ،
فهم قطعا استحالة الجهة على غير الجواهر والأعراض ، إذ الحيز معقول وهو الذي
يختص الجوهر به ، ولكن الخير إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شئ آخر متحيز .
فإن قيل نفي الجهة مؤد إلى محال ، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون
داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه وذلك محال ، قلنا : مسلم
أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا منفصلا ولا متصلا به محال ، وأن كل موجود
التوسل بالنبي ( ص ) وجهلة الوهابيين — صفحة 15
مساهمون: أبي حامد بن مرزوق
ص١٥