وعليه ، وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف ، وذلك أنه كان من عادتها التيمن
والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة ، وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلا ،
وسمت ذلك كله تطيرا ، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر ،
فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية بأوجز لفظ ، وأبلغ إشارة ، أن جميع ما يلقى الإنسان من
خير وشر قد سبق به القضاء ، وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه ، وذلك في قوله عز
وجل : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) ، فعبر عن الحظ والعمل ، إذ هما متلازمان ،
بالطائر ، قاله مجاهد وقتادة ، بحسب معتقد العرب في التطير ، ( ونخرج له يوم القيامة
كتابا يلقاه منشورا ) : هذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيئاته ، ( اقرأ كتابك ) أي : يقال له :
اقرأ كتابك ، وأسند الطبري عن الحسن ، أنه قال : يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ، ووكل بك
ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك ، والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك
فأملل ما شئت وأقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في
قبرك حتى تخرج لك / يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك
حسيبا ) قد عدل والله فيك ، من جعلك حسيب نفسك .
قال * ع * : فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما يتحصل مع ابن آدم
من عمله في قبره ، فتأمل لفظه ، وهذا قول ابن عباس ، وقال قتادة في قوله : اقرأ كتابك :
إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ .
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 457
مساهمون: الثعالبي
ص٤٥٧