وألزمهم إياه ، ثم أخبرهم به في التوراة على لسان موسى ، فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين
جميعا في إيجاز ، جعل ( قضينا ) دالة على النفوذ في أم الكتاب ، وقرن بها " إلى " دالة على
إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل ، والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ ، ولهذا
فسر ابن عباس مرة بأن قال : ( قضينا إلى بني إسرائيل ) ، معناه : أعلمناهم ، وقال مرة :
" قضينا عليهم " ، و ( الكتاب ) هنا ، التوراة لأن القسم في قوله : ( لتفسدن ) غير متوجه
مع أن نجعل ( الكتاب ) هو اللوح المحفوظ .
وقال * ص * : و ( قضينا ) : مضمن معنى " أوحينا " ، ولذلك تعدى ب " إلى " ، وأصله
أن يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد ، كقوله سبحانه : ( فلما قضى موسى الأجل ) [ القصص :
29 ] انتهى ، وهو حسن موافق لكلام * ع * ، وقوله " ولتعلن " أي : لتتجبرن ، وتطلبون في
الأرض العلو ، ومقتضى الآيات أن الله سبحانه أعلم بني إسرائيل في التوراة ، أنه سيقع
منهم عصيان وكفر لنعم الله ، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتذلهم ، ثم يرحمهم بعد
ذلك ، ويجعل لهم الكرة ويردهم إلى حالهم من الظهور ، ثم تقع منهم أيضا تلك المعاصي
والقبائح ، فيبعث الله تعالى عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم ، وتقتلهم ، وتجليهم جلاء ،
مبرحا ، وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله ، قيل : كان بين المرتين مائتا سنة ، وعشر
سنين ملكا مؤيدا بأنبياء ، وقيل : سبعون سنة .
وقوله سبحانه : ( فإذا جاء وعد أولهما ) الضمير في قوله : ( أولاهما ) عائد / على
قوله ( مرتين ) ، وعبر عن الشر ب " الوعد " ، لأنه قد صرح بذكر المعاقبة .
قال * ص * : ( وعد أولاهما ) ، أي : موعود ، وهو العقاب ، لأن الوعد سبق
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 452
مساهمون: الثعالبي
ص٤٥٢