وقوله سبحانه : ( إن نعف عن طائفة منكم ) ، يريد ، فيما ذكره المفسرون ، رجلا
واحدا ، قيل : اسمه مخشي بن حمير ، قاله ابن إسحاق ، وذكر جميعهم أنه استشهد
باليمامة ، وقد كان تاب ، وتسمى عبد الرحمن ، فدعا الله أن يستشهد ، ويجهل أمره ، فكان
كذلك ، ولم يوجد جسده ، وكان مخشي مع المنافقين الذين قالوا : إنما كنا نخوض
ونلعب ، فقيل : كان منافقا ، ثم تاب توبة صحيحة ، وقيل : كان مسلما مخلصا إلا أنه سمع
المنافقين ، فضحك لهم ، ولم ينكر عليهم ، فعفا الله عنه في كلا الوجهين ، ثم أوجب
العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم .
وقوله سبحانه : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) : يريد : في الحكم
والمنزلة في الكفر ، ولما تقدم قبل : ( وما هم منكم ) [ التوبة : 56 ] حسن هذه الإخبار ،
و ( يقبضون أيديهم ) : أي : عن الصدقة ، وفعل الخير ، ( نسوا الله ) : أي : تركوه ، حين
تركوا اتباع نبيه وشرعه ، ( فنسيهم ) : أي : فتركهم حين لم يهدهم ، والكفار ، في الآية :
المعلنون ، وقوله : ( هي حسبهم ) : أي : كافيتهم .
وقوله تعالى : ( كالذين من قبلكم ) : أي : أنتم ، أيها المنافقون ، كالذين من قبلكم
كانوا أشد منكم قوة ، فعصوا ، فأهلكوا ، فأنتم أولى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم ،
والخلاق : الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء ، فخلاق المرء : الشئ الذي هو به
خليق ، والمعنى : عجلوا حظهم في دنياهم ، وتركوا الآخرة ، فاتبعتموه أنتم ، ( أولئك
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 194
مساهمون: الثعالبي
ص١٩٤