وقوله سبحانه : ( انفروا خفافا وثقالا ) معنى الخفة والثقل ههنا : مستعار لمن يمكنه
السفر بسهولة ، ومن يمكنه بصعوبة ، وأما من لا يمكنه ، كالعمي ونحوهم ، فخارج عن
هذا .
وقال أبو طلحة : ما سمع الله عذر أحد ، وخرج إلى الشام ، فجاهد حتى مات .
وقال أبو أيوب : ما أجدني أبدا إلا خفيفا أو ثقيلا .
وقوله سبحانه : ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) : تنبيه وهز للنفوس .
وقوله سبحانه : ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ) ، هذه الآية في
المنافقين المتخلفين في غزوة تبوك ، وكشف ضمائرهم ، وأما الآيات التي قبلها ، / فعامة
فيهم وفي غيرهم ، والمعنى : لو كان هذا الغزو لعرض ، أي : لمال وغنيمة تنال قريبا ، بسفر
قاصد يسير ، لبادروا لا لوجه الله ، ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) وهي المسافة الطويلة .
وقوله : ( وسيحلفون بالله ) ، يريد : المنافقين ، وهذا إخبار بغيب .
وقوله عز وجل : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) ، هذه الآية هي في صنف مبالغ في
النفاق ، استأذنوا دون اعتذار ، منهم : الجد بن قيس ورفاعة بن التابوت ومن اتبعهم ، قال
مجاهد : وذلك أن بعضهم قال : نستأذنه ، فإن أذن في القعود قعدنا ، وإلا قعدنا ، وقدم
له العفو قبل العتاب : إكراما له صلى الله عليه وسلم ، وقالت فرقة : بل قوله سبحانه ( عفا الله عنك ) :
استفتاح كلام كما تقول : أصلحك الله ، وأعزك الله ، ولم يكن منه عليه السلام ذنب يعفى
عنه ، لأن صورة الاستنفار وقبول الأعذار مصروفة إلى اجتهاده .
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 183
مساهمون: الثعالبي
ص١٨٣