الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله
المؤمنين أجرا عظيما ( 146 ) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا
عليما ( 147 ) )
وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين . . . )
الآية : خطابه سبحانه للمؤمنين يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان ، ففي
اللفظ رفق بهم ، وهم المراد بقوله سبحانه : ( أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) ،
لأن هذا التوقيف إنما هو لمن ألم بشئ من الفعل المؤدي إلى هذه الحال ، والمؤمنون
المخلصون ما ألموا قط بشئ من ذلك ، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى : ( من دون
المؤمنين ) ، أي : والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة ، وهذا لا يقال
للمؤمنين المخلصين ، بل المعنى : يا أيها الذين أظهروا الإيمان ، والتزموا لوازمه ، والسلطان :
الحجة .
ثم أخبر تعالى عن المنافقين ، أنهم في الدرك الأسفل من نار جهنم ، وذلك لأنهم
أسرى غوائل من الكفار ، وأشد تمكنا من أذى المسلمين ، قلت : وأيضا لأنهم شاهدوا من
معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، وما جعل الله على يديه من الخوارق ما لم يشاهد غيرهم من الكفار ،
فكانت الحجة عليهم أعظم ، وكان كفرهم محض عناد ، وروي عن أبي هريرة ، وابن
مسعود ، وغيرهما ، أنهم قالوا : المنافقون في الدرك الأسفل من النار ، في توابيت من النار
تقفل عليهم ، ثم استثنى عز وجل التائبين من المنافقين ، ومن شروط التائب ، أن يصلح
في قوله وفعله ، ويعتصم بالله ، أي : يجعله منعته ، وملجأه ، ويخلص دينه لله تعالى ، وإلا
فليس بتائب ، وقوله : ( فأولئك مع المؤمنين ) ، أي : في رحمة الله سبحانه ، وفي منازل
الجنة ، ثم وعد سبحانه المؤمنين الأجر العظيم ، وهو التخليد في الجنة .
وقال * ص * : ( فأولئك ) : خبره مضمر ، والتقدير : فأولئك مؤمنون مع المؤمنين ،
قاله أبو البقاء . انتهى .
ثم قال سبحانه للمنافقين : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم . . . ) الآية : أي : أي
منفعة له سبحانه في ذلك أو حاجة ؟ ! قال أبو عبد الله اللخمي : زعم الطبري ، أن قوله
تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم ) : خطاب للمنافقين ، ولا يكاد يقوم له على ذلك دليل يقطع
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 321
مساهمون: الثعالبي
ص٣٢١