فتفكرت في حالي ، وكيف أتلقى الغل ، إن طرح في عنقي يوم القيامة ، فما زلت في ذلك
حتى أصبح .
قال * ع * : وهذه نهاية الخوف ، وخير الأمور أوساطها ، وليس علماء الأمة
الذين هم الحجة على هذا المنهاج ، وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسوله لمن يفهم
ويرجى نفعه أفضل من هذا ، لكن يحسن ألا تخلوا البلاد من مثل هذا .
قال * ع * : وحدثني أبي ( رحمه الله ) ، عن بعض علماء المشرق ، قال : كنت
بائتا في مسجد الإقدام ب " مصر " فصليت العتمة ، فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له ،
حتى أصبح ، وصلينا نحن تلك الليلة ، وسهرنا ، فلما أقيمت صلاة الصبح ، قام ذلك
الرجل ، فاستقبل القبلة ، وصلى مع الناس ، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء ، فلما
فرغت الصلاة ، خرج ، فتبعته لأعظه ، فلما دنوت منه ، سمعته ، وهو ينشد : [ المنسرح ]
منسجن ثنا الجسم غائب حاضر * منتبه القلب صامت ذاكر
منبسط في الغيوب منقبض * كذاك من كان عارفا ناكر
يبيت في ليلة أخا فكر * فهو مدى الليل نائم ساهر
قال : فعلمت أنه ممن يعبد الله بالفكرة ، فانصرفت عنه .
قال الفخر : ودلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر . انتهى .
وفي " العتبية " : قال مالك : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء ؟ قالت :
كان أكثر شأنه التفكر . قال مالك : وهو من الأعمال ، وهو اليقين ، قال الله عز وجل :
( يتفكرون في خلق السماوات والأرض ) ، قال ابن رشد : والتفكر من الأعمال ، كما قاله
مالك ( رحمه الله ) ، وهو من أشرف الأعمال ، لأنه من أعمال القلوب التي هي أشرف
الجوارح ، ألا ترى أنه لا يثاب أحد على عمل من أعمال الجوارح من سائر الطاعات ، إلا
مع مشاركة القلوب لها بإخلاص النية لله ( عز وجل ) في فعلها . انتهى من " البيان
والتحصيل " .
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 151
مساهمون: الثعالبي
ص١٥١