والنسخ جائز على الله تعالى عقلا ، لأنه لا يلزم عنه محال ( 1 ) ، ولا تغيير صفة من
صفاته تعالى / ، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة ، فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت ، ولا
النسخ ، لطروء علم ، بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ، ويعلم
نسخه له بالثاني ، والبدأ لا يجوز على الله تعالى ، لأنه لا يكون إلا لطرو علم أو لتغير
إرادة ، وذلك محال في جهة الله تعالى ، وجعلت اليهود النسخ والبدأ واحدا ، فلم
يجوزوه ، فضلوا .
والمنسوخ عند أئمتنا الحكم الثابت نفسه لا ما ذهبت إليه المعتزلة من أنه مثل
الحكم الثابت فيما يستقبل والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مراده وأن
هامش
102 ) ، " تقريب الوصول " لابن جزي ( ص 125 ) ، " شرح مختصر المنار " للكوراني ( ص 91 ) ، " نشر
البنود " للشقيطي ( 2 / 280 ) ، " شرح الكوكب المنير " للفتوحي ( ص 462 ) .
وينظر : " تهذيب اللغة " ( 7 / 181 ) ، " لسان العرب " ( 6 / 4407 ) ، " تاج العروس " ( 2 / 282 ) ، " معيار
العقول في علم الأصول " لابن المرتضي ( 1 / 172 ) ، " كشف الأسرار " ( 3 / 154 ) ، " حواشي المنار "
( 708 ) ، " العدة " ( 3 / 778 ) ، " الحدود " للباجي ( ص 49 ) ، " اللمع " ( ص 30 ) " الوصول " لابن برهان
( 2 / 7 ) ، " روضة الناظر " ( 26 ) ، " الرسالة " للشافعي ( 128 ) ، " المغني " للخبازي ( 250 ) ، " المسودة "
( 195 ) ، " شرح تنقيح الفصول " ( 301 ) ، " تقريب الوصول " ( 125 ) ، " المنتهى " لابن الحاجب ( 113 ) .
( 1 ) أجمع أهل الشرائع طرا من المسلمين والنصارى واليهود على جوازه عقلا ، وخالف في ذلك الشمعونية
من اليهود ، متمسكين بشبه واهية .
احتج الجمهور بدليل عقلي حاصله : أن المخالف لا يخلو حاله من أحد أمرين : أما إن يكون ممن يوافق
على أن الله ( تعالى ) هو الفاعل المختار ، له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض .
وإما أن يكون ممن يعتبر المصلحة في أفعاله ( تعالى ) ، فإن كان الأول ، فليس في العقل ما يمنع من أن
يأمر الله بشئ في وقت وينهى عنه في وقت آخر ، كأمره بالصوم في اليوم الأخير من رمضان ، ونهيه عنه
في اليوم الأول من شوال . وإن كان الثاني ، فلا يمتنع أن يعلم الله أن في الفعل مصلحة في وقت ، فيأمر
به ، وأن في الفعل مضرة في وقت آخر ، فينهى عنه ، فإن المصلحة مما تختلف باختلاف الأشخاص
والأحوال . أما اختلافها بالأشخاص ، فإنا نرى الغنى مصلحة لبعض الناس ، والفقر مفسدة له ، بينما نرى
الفقر مصلحة للبعض الآخر ، والغنى مفسدة له ، يدلنا على ذلك قول الرسول الأمين فيما يرويه عن رب
العالمين : " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده . وإن من عبادي من لا يصلح
إيمانه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده " وأما اختلافها بحسب الأحوال والأزمان ، فإنا نرى الشدة والغلظة
نافعة في زمان دون زمان ، لا ينفع فيه إلا المداراة والمساهلة . ومثل ذلك المريض يكون تناول الدواء
مفيدا له حين مرضه ، فيأمره الطبيب بتناوله ، ويكون مضرا له بعد سلامته ، فينهاه الطبيب عنه حينئذ ، أو
كالغداء الجيد لا تتحمله معدة المريض الضعيف ، فينهى عنه . فإذا شفي من مرضه وسلمت معدته
واحتاج إلى ما يعيد قوته ، حتم عليه الطبيب تناول ما كان يمنعه عنه . واعتبر ذلك في تربية الطفل يعطى
من الغذاء الخفيف ما يناسبه حتى إذا شب زيد له من متين الغذاء بمقداره . ومنع من رضاع أمه ، إذ كان
ذلك لا يناسب بعد كبره . ينظر : " النسخ " لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص 20 .