( فلئن بقيت لأرجعن بغزوة * تحوى الغنائم أو يموت كريم )
في سورة الرحمن عند قوله تعالى ( وردة كالدهان ) على قراءة عمرو بن عبيد وردة بالرفع ، بمعنى فحصلت
سماء وردة ، وهو من باب التجريد كقوله قتادة بن مسلم : فلئن بقيت الخ . اللام موطئة للقسم ولأرجعن بغزوة
جوابه ، وقوله نحو الغنائم ظرف لأرجعن ، ورواه بعضهم نحوي الغنائم بالنون وبعضهم تحوى بالتاء والجملة صفة
غزوة ، وقوله أو يموت كريم أو بدل عن إلا ويموت منصوب بأن مضمرة كأنه قال : إلا أن يموت كريم : يعنى
به نفسه .
( فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد * صداها ولا يقضى عليها هيامها )
في سورة الواقعة عند قوله تعالى ( فشاربون شرب الهيم ) وهى الإبل بها الهيام ، وهو داء تشرب منه فلا
تروى ، والجمل إذا أصابه ذلك هام على وجهه ، جمع أهيم وهيماء . والمعنى : أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم
إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل ، فإذا ملئوا منه البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي
يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الهيم . والبيت لذي الرمة من قصيدته المشهورة التي أولها :
مررنا على دار لمية غدوة * وجاراتها قد يعتمدن قيامها
( فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها )
هو للبيد . في سورة الحديد عند قوله تعالى ( مأواكم النار هي مولاكم ) أي هي أولى بكم ، وأنشد قول لبيد
فغدت الخ . وحقيقة مولاكم : محراكم ومقمنكم : أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم :
أي مكان لقول القائل إنه لكريم ، ويجوز أن يراد هي ناصركم : أي لا ناصر لكم غيرها ، والمراد نفى الناصر على
البتات . ونحوه قولهم : أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع ، ونحوه : فأعتبوا بالصيلم . الشاعر يصف بقرة وحشية
قعدت فزعة لا تدرى أقدامها الصائد أم خلفها ، فغدت مذعورة لا تعرف منجاها من مهلكها . والضمير في أنه
راجع إلى كلا باعتبار اللفظ وإن تضمن معنى التثنية . ويجوز حمل الكلام بعده على لفظه مرة وعلى معناه أخرى ،
والحمل على اللفظ أكثر ، قال الله تعالى ( كلتا الجنتين آتت أكلها ) ومولى المخافة في موضع الرفع لأنه خبر أن
وخلفها وأمامها خبر مبتدأ محذوف : أي هما خلفها وأمامها ، فيكون تفسير كلا الفرجين ، ويجوز أن يكون بدلا
من كلا الفرجين وتقديره : فغدت كلا الفرجين خلفها وأمامها تحسب أنه مولى المخافة .
( يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزل مواطئ الأقدام )
في سورة ن والقلم عند قوله تعالى ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) يعنى أنهم من شدة تحديقهم
ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك ، من قولهم : نظر إلى نظرا يكاد
يصرعني ويكاد يأكلني : أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله كما قال : يتقارضون وكل امرئ به يتجازى
الناس فهو قرض وهما يتقارضان الثناء : أي كل واحد منهما على صاحبه . يقول : إذا التقوا في موطن ينظر كل
واحد منهم إلى الآخر نظم حسد وحنق حتى يكاد يصرعه وهو الإصابة بالعين ، يقال صرعني بطرفه وقتلني بعينه ،
وقال صلى الله عليه وسلم " العين حق ، إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وعن الحسن : دواء الإصابة
بالعين أن تقرأ هذه الآية ( وإن يكاد الذين كفروا ) .
تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ، شرح شواهد الكشاف — صفحة 542
مساهمون: محب الدين الأفندي
ص٥٤٢