أحاديث السنة وصحاح الشيعة ( 1 ) .
وأنت تعلم أن بكاء تلك الأجرام لم يكن على ظاهره ، وإنما كانت
مجازا على سبيل التمثيل ، إكبارا لتلك الفجائع ، وإنكارا على مرتكبيها ،
وتمثيلا لها مسجلة في آفاق الخلود ، إلى اليوم الموعود .
ومما جاء في السنة على هذا النمط من المجاز على سبيل التمثيل
حديث كربلاء والكعبة ( 2 ) الذي أشار إليه سيد الأمة ، وبحر علوم الأئمة ،
هامش
( 1 ) انظر : مسند أحمد 3 / 242 و 265 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 159 ، المعجم الكبير
3 / 114 ح 2840 ، تهذيب التهذيب 2 / 347 ، الدر المنثور 7 / 413 ، الجامع
لأحكام القرآن 16 / 64 ، الإرشاد 2 / 130 ، الأمالي - للصدوق - : 694 - 696 ،
إعلام الورى : 217 .
( 2 ) لقد وردت روايات كثيرة معتبرة في تفضيل أرض كربلاء على أرض الكعبة ، منها
ما رواه شيخ الطائفة الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه - المتوفى 367 -
في كتابه " كامل الزيارات " ، ص 266 - 271 . .
فقد روى بسنده عن عبد الله بن أبي يعفور ، قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام )
يقول لرجل من مواليه : يا فلان ! أتزور قبر أبي عبد الله الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ؟
قال : نعم ، إني أزوره بين ثلاث سنين أو سنتين مرة .
فقال له وهو مصفر الوجه : أما والله الذي لا إله إلا هو ، لو زرته لكان أفضل لك
مما أنت فيه !
فقال له : جعلت فداك ! أكل هذا الفضل ؟ !
فقال : نعم ، والله لو إني حدثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحج رأسا ،
وما حج منكم أحد !
ويحك ! أما تعلم أن الله اتخذ كربلاء حرما آمنا مباركا قبل أن يتخذ مكة
حرما ؟ !
قال ابن أبي يعفور : فقلت له : قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر
زيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) ؟ !
فقال : وإن كان كذلك ، فإن هذا شئ جعله الله هكذا ، أما سمعت قول أبي أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) حيث يقول : " إن باطن القدم أحق بالمسح من ظاهر القدم ، ولكن الله
فرض هذا على العباد " ؟ !
أوما علمت أن الموقف لو كان في الحرم كان أفضل لأجل الحرم ؟ ! ولكن الله
صنع ذلك في غير الحرم !
وروى عن بياع السابري ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : إن أرض الكعبة قالت :
من مثلي وقد بنى الله بيته على ظهري ، ويأتيني الناس من كل فج عميق ، وجعلت
حرم الله وأمنه ؟ !
فأوحى الله إليها أن كفي وقري ! فوعزتي وجلالي ما فضل ما فضلت به في ما
أعطيت به أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر !
ولولا تربة كربلاء ما فضلتك ! ولولا ما تضمنته أرض كربلاء لما خلقتك
ولا خلقت البيت الذي افتخرت به ! !
فقري واستقري ، وكوني دنيا متواضعا ، ذليلا مهينا ، غير مستنكف
ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم !
أقول : لا استبعاد ولا إشكال في هذا الأمر ، فقد شرفت أرض كربلاء بضمها
لجسد سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) ، ولما كان المؤمن أعظم حرمة
من الكعبة - كما جاء عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإمام الرضا ( عليه السلام ) ، انظر : المعجم الكبير
11 / 31 ح 10966 ، شعب الإيمان 3 / 444 ح 4014 ، مستدرك الوسائل 9 / 343 ح
11039 - ، فكيف بسبط رسول الله وريحانته وسيد شباب أهل الجنة ؟ !
فإن مراد الإمام الصادق ( عليه السلام ) من ذلك هو إبراز فضيلة أرض كربلاء لا إلغاء فريضة
الحج ، وهذا ما يؤكده الحديث المروي في كامل الزيارات : 159 ، بالإسناد عن
يونس ، عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، أنه قال : " من زار الحسين فقد حج
واعتمر .
قلت : تطرح عنه حجة الإسلام ؟
قال : لا ، هي حجة الضعيف حتى يقوى ويحج إلى بيت الله الحرام . . . " .