يا هشام ! : قلة المنطق حكم عظيم ، فعليكم بالصمت ، فإنه دعة
حسنة ، وقلة وزر ، وخفة من الذنوب ، فحصنوا باب الحلم ، فإن بابه
الصبر ، وإن الله عز وجل يبغض الضحاك من غير عجب والمشاء إلى غير
إرب ، ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر
عليهم ، فاستحيوا من الله في سرائركم كما تستحيون من الناس في
علانيتكم ، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن ، فعليكم بالعلم قبل
أن يرفع ، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم ( 1 ) ( 2 ) .
يا هشام ! تعلم من العلم ما جهلت ، وعلم الجاهل مما علمت ، عظم
العالم لعلمه ، ودع منازعته ، وصغر الجاهل لجهله ، ولا تطرده ( 3 ) ، ولكن
هامش
( 1 ) " حكم عظيم " الحكم : الحكمة .
" فإنه دعة حسنة " الدعة : السكون والراحة .
" والمشاء إلى غير إرب " المشاء : الكثير المشي ، والإرب : الحاجة .
" واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن " المراد أن المؤمن يأخذ الحكمة
من كل من وجدها عنده ، وإن كان كافرا أو فاسقا ، كما أن صاحب الضالة يأخذها
حيث وجدها ، وقيل : المراد أن من كان عنده حكمة لا يفهمها ولا يستحقها يجب
أن يطلب من يأخذها بحقها كما يجب تعريف الضالة ، وإذا وجد من يستحقها
وجب أن لا يبخل في البذل كالضالة .
" بين أظهركم " قال ابن الأثير في النهاية 3 / 166 : في الحديث " فأقاموا بين
ظهرانيهم وبين أظهرهم . . . والمراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار ،
والاستناد إليهم ، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا ، ومعناه أن ظهرا منهم قدامه
وظهرا وراءه ، فهو مكنوف من جانبيه ، ومن جوانبه إذا قيل : بين أظهرهم ، ثم كثر
حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا .
( 2 ) أخرج هذه القطعة في عوالم العلوم 3 / 205 ح 10 عن التحف .
( 3 ) " ولا تطرده " ولا تبعده .