فإنه من المعلوم لدى الخبراء بتقاليد أولئك المبطلين ، أنهم كانوا
يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد على الوجه المذكور ، وذلك
يجعل ما برز من أثر القبر قبلة ، وما دار حوله من الأرض مصلى ،
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ، غير إنه خشي
أن يتخذ مسجدا ( 121 ) .
فلو كان اتخاذه مسجدا على معنى إيقاع الصلاة عنده - وإن كان
التوجه بها إلى الكعبة - لما كان الإبراز سببا لحصول الخشية ، فإن
الصلاة - كذلك - غير موقوفة على أن يكون للقبر أثر بارز ، وإنما الذي
يتوقف على بروز الأثر هو : الصلاة إليه نفسه .
إنتهى .
ثم استشهد بكلام النووي في شرح صحيح مسلم ، قال :
( قال العلماء : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ
قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من الافتتان به ، فربما أدى ذلك إلى الكفر
كما جرى لكثير من الأمم الخالية ، ولما احتاجت الصحابة - رضوان الله
عليهم أجمعين - والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين كثر المسلمون ، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت
أمهات المؤمنين فيه ، ومنها حجرة عائشة - رضي الله عنها - بنوا على
القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله ، لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه
العوام ويؤدي إلى المحذور .
ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا ،
حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ، لهذا قال في الحديث : ( ولا
هامش
( 121 ) مسند أحمد 6 / 80 ، صحيح مسلم 1 / 376 ح 529 .