أبي الشعثاء صريح في أن ابن عباس - رضوان الله عليه - قد شغل بالخطبة من
بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ، ثم جمع بين المغرب والعشاء ، ومن
المعلوم أنه لو كان جمع لأجل المرض لما أمكنه القيام بخطبته التي هي أطول
من مجرد صلاة !
وتصديق أبي هريرة إنما هو بالإضافة إلى أصل تحقق الجمع من النبي
صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة دون عذر من الأعذار ، وهذا هو القدر
المتيقن الذي يؤخذ من ظاهر الحديث ، وما زاد عليه يحتاج إلى الدليل .
ولا دليل عليه ، بل الدليل ناهض على خلافه .
وأما كون المشقة في المرض أشد منها في المطر ، فهذا أيضا لا يقتضي
تعين الحمل على عذر المرض - كما لا يخفى - .
ومما يفند هذا التأويل : ما ورد في بعض أحاديث الباب من أنه صلى الله
عليه وآله وسلم جمع من غير خوف ولا سفر ولا مطر ، وظاهر أن نفي كون
الجمع لأجل هذه الأمور لا يدل بوجه على أن الجمع كان بعذر المرض ونحوه
مما هو في معناة ، إذ لا يلزم من نفي هذه إثبات غيرها كما تقرر في علم أصول
الفقه .
كيف ، وأن من عرف أساليب الخطابات يعلم أن ابن عباس - رضوان الله
عليه - لم يكن في مقام نفي الأمور المذكورة فحسب ، بل مراده أنه لم يقع
الجمع لعذر من الأعذار ، وإنما المذكورات من باب الفرض والمثال ، كما
كشف عنه بتعليله ( أراد أن لا يحرج أمته ) فذيل كلامه قرينة على المراد من
صدره كما لا يخفى على من آتاه الله نصيبا من العلم ورزقه حظا من الفهم .
ولعل الاقتصار على ذكر هذه الثلاثة لكونها أمورا تعم بها البلوى ، وأنها
أدعى للجمع ، وإلا فلا خصوصية لنفيها دون سائر الأعذار ، والله أعلم .
الخامس : أن الجمع كان لمشقة عارضة ذلك اليوم ، من مرض غالب
أو برد شديد أو وحل ونحو ذلك ، ويدل على ذلك قول ابن عباس - لما سئل عن
مجلة تراثنا — صفحة 97
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٩٧