وحكي أنه بعض علماء اللغة قد كفى نفسه مؤونة العيش كما يعش سائر
العلماء من الأوقاف والجرايات والوجوه الشرعية ، فكان ينسخ في كل يوم بعد
صلاة الصبح عشرة أوراق ويبعث بها من يبيعها له بعشرة دراهم هي كفاف يومه ، ثم
يخرج إلى مجلس درسه خالي البال من هموم العيش .
وكانت لهم مع صناعتهم حالات عبروا عنها في أواخر النسخ التي
خطتها أقلامهم .
فمنهم من نظر إلى النسخ من ناحية المسؤولية ، فعده عملا يسأل عنه
فاعله يوم لقاء الله سبحانه ، وحذر من كتابة ما لا يرضي الله تعالى .
ومنهم من نظر إلى هذا العمل من ناحية نقص الإنسان وكثرة أخطائه ،
فطلب إصلاح ما وهم هو فيه ، وقطع بأن نسخته التي خطتها يمينه ليست خالية
من الخطأ ، واعتذر بعدم العصمة ، وبين أن نسخته كثيرة الأخطاء بحيث إنه
كلما تصفحها وجد فيها خطأ .
ومنهم من استلهم العظة من هذه الحياة الدنيا ، فأشار إلى قصرها ببقاء
خطه زمانا طويلا وموته هو ، فأشار من طرف خفي إلى أنه واجب الإنسان أن
يصلح أعماله ليخرج من الدنيا نقي الجيب .
ومنهم من رأى أن لا نجاة من شر النفس الأمارة بالسوء وشر ما تزينه من
نسخ الضلال وتخليده وإضرار الناس به . . لا نجاة إلا بالاعتصام بالله تعالى .
ونجد فيهم من فرح بتمام كتابه واستراحته من عناء النسخ ، وزاد فرحه
بإحراز الثواب الذي هو للمجدين المخلصين في عمارة بلاد الله وتبصير عباده .
ومنهم الحريص على عياله والناظر لحاجاتهم ، فعد كتابه سلعة يورثها
لهم فيبيعونه بثمن جيد ، فاجتهد في تجويد نسخه وصرف نفيس عمره على
ذلك ، لكي لا يبور كتابه بعد موته .
وآخر محدود محارف ، ضجر من تعب النسخ وقلة الربح ، فأداه ذلك
مجلة تراثنا — صفحة 91
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٩١