وانبرى حماة أولئك المانعين عن التدوين بتقديم أعذار أخرى أوهى من هذه .
وقد أوضحنا أيضا في ذلك الكتاب ضعف كل تلك التوجيهات وبطلانها .
وأما الأسلوب الثاني : فهو منع نقل الحديث وتداوله :
فإن المعارضين للسنة الشريفة ، وقفوا من نقل الحديث شفهيا موقفا مماثلا
لموقفهم من تدوين الحديث ، إن لم يكن أشد !
فمنعوا الصحابة الكرام من التحديث بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ونشره ، ونقله ، وتداوله .
واستعملوا لذلك أساليب قاسية ضد من لم ينته بنواهيهم ، مثل الحبس والجلب ،
والتوقيف ، والتبعيد ، والتهديد بالضرب ! .
وقد اعتل المانعون في هذه التصرفات أيضا ، بمثل تلك الأعذار التي منعوا بها
تدوين الحديث ، مما يدل على أن عملية معارضة الحديث ومنعه تدوينا ونقلا ، كانت
مبرمجة ، وتتعقب هدفا موحدا ، نصبه المانعون أمام أعينهم .
والواقع أن البرنامج الذي قرر لمعارضة الحديث ، وإسقاطه عن الاعتبار كان
قويا ومدروسا ، حيث أن الجمع بين الأسلوبين : منع التدوين من جهة ، ومنع النقل من
جهة أخرى ، لا يدع منفذا للحديث يتسرب منه إلى الخارج إ . فإذا كان نص ، ممنوعا
أن يكتب ويثبت في الصحف ، وممنوعا أن ينقل ويتحدث به ، أو يتداول على الألسنة
والشفاه ، فكم يرجي أن يبقى ويستمر في الذاكرة ؟ ! ولا يموت بموت حامله وحافظه
على الخاطر ؟ !
وهل يتصور عداء أصرح من هذا تجاه الحديث والسنة الشريفة ؟ !
وهل لأعدى أعداء السنة ، أن يعمل أكثر من هذا إذا أراد القضاء عليها ، وعلى
نصوصها ؟ ؟ ! .
والعجب من سكوت من يتسمون بأهل السنة عن كل هذا الاعتداء على
السنة ، بل محاولة بعضهم الدفاع عن كل هذه التصرفات ، بأعذار أوهى من بيت
مجلة تراثنا — صفحة 14
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص١٤