تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الدين الجبعي العاملي ، المعروف بالشهيد الثاني ، المقتول سنة 965 ه‍ ، اللذين قدما حياتهما ثمنا لمواقف فقهية معارضة لسلاطين عصرهم . وهكذا تراجعت عملية تفقيه نظم الدولة في الفقه الجعفري ، إذ ما هي ثمرة البحث التي تكون نتيجتها في أفضل الأحوال أن يبقى ذلك البحث أفكارا نظرية ، وتقف الحواجز والسدود دون تطبيقه ؟ ! فإقصاء الفقه والفقيه الشيعي عن شؤون الحكم والمجتمع أنتج فقها غزيرا عميقا تركز على الاهتمام بالفرد والتشريع والاستنباط لحل المشكلات الشخصية ، وتحديد مواقف الأشخاص وتوجيه سلوكهم بما يطابق أحكام الإسلام . وبذلك توارت عملية التنظير الفقهي للنظم الإسلامية في الفقه الجعفري ، ولم يتغلب هذا الفقه حتى اليوم على الأسلوب التجزيئي ، الذي ألف السير عليه في ظل ظروف قاهرة أرغمته على ذلك ، ولكن بعض الأعمال على طريق فقه البرامج وفقه الدولة حققت نقلة نوعية في طريق الانتقال لفقه النظم وإعادة اكتشاف النظريات الأساسية التي تحدد مواقف الشريعة الإسلامية من قضايا الدولة والمجتمع ، ويتفرد فقه مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) في اختزانه لإمكانات وثروات تشريعية لا تنضب ، بفعل الوفر العظيم مما بيده من نصوص المعصومين ( عليهم السلام ) ، وديمومة الاجتهاد وتواصله منذ انتهاء عصر النص وغيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) حتى اليوم ، مما سيوفر له طاقات كبيرة لبلوغ المرحلة المرتقبة . بينما نجد التدوين في الإمامة قد سبق التدوين في نظم الدولة الإسلامية زمنيا كما سنلاحظ في ما عرضناه من مصادرها الأولى التي كتبت في القرنين الأول والثاني الهجريين ، كما أن ما كتب حول الإمامة تجاوز في كميته مئات المرات ما كتب حول نظم الدولة الإسلامية ، فترى كتاب الإمامة لفلان ثم نقضه لفلان ثم نقض نقضه وهكذا . ومما سنلاحظ غزارة إنتاج الشيعة في موضوع الإمامة ، في حين ندر إنتاجهم الخاص في نظم الدولة الإسلامية ، وذلك يعود لأسباب عقائدية وسياسية فرضت عليهم