تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
فشعر العراق أبعد شأوا في حلبة الشعر ، وأهدى إلى الإصابة في طريق النظم والنثر ، لأنهم ارتضعوا أفاويق ( 55 ) در الفصاحة لبانا ، ونطقوا بألفاظها صبيانا ، فكانت لهم لدودا ونشوعا ( 56 ) ، يردون مناقعها ينبوعا فينبوعا ، حتى نشأوا وقد مرنت على الفصيح لسانهم ، وأفصحوا باللغة التي ملأت آذانهم ، وراثة عن الأمهات والآباء ، والعصبات والأقرباء . لا كمن سمع البلاغة بعد البلوغ مترعرعا ، واحتلبها متمحلا متكلفا متتبعا ، وليس التخلق كالخليقة ، والتلهوق ( 57 ) كالسليقة ، ولا الدربة كالكلفة . وهيهات أن يكون للضباب صوب السحاب ، وللغراب قاب ( 58 ) العقاب ، وأن يكون من تبوأ خراسان كمن تربع بالدهناء ( 59 ) ، وتشتى الصمان ( 60 ) وشرب أحاليب اللقاح ، وهبت عليه صبا نجد في الرياح ، واستظل في العكاك ( 61 ) ، بظل السمرات والأراك ، واستاك بفروع البشام ( 62 ) ، وظلل وطابه بالتمام ( 63 ) ، وبكى بنوح الحمام ، وخاطب الربوع بعد الإقواء ، وسأل تقاطيع الظباء ، واحترش الضباب مغتديا بالكشى والمكن ( 64 ) ، وندب الأطلال وبكى على السكن ، ونطق بالفصيح ، وسكن منابت القيصوم والشيح ( 65 ) . هل يستوي هو ومن تدرب بلغة نيسابور وهراة ، هيهات أن يكون ذلك هيهات . هذا هو القول عموما في شعر الفريقين ، عند الاتحاد باللسان العربي ، ولغة إسماعيل النبي . فأما خصوصا في الفحلين : ، فإن فتى الأزد منصورا ، وإن أصبحت الآذان إلى كلامه
هامش
( 55 ) الأفاويق جمع الفيقة ، بمعنى خيار اللبن . ( 56 ) اللدود : الدواء . النشوع : السعوط ، الدواء الذي يصب في فم المريض . ( 57 ) تلهق الرجل : أكثر من الكلام . ( 58 ) ألقاب : المقدار ، ما بين نصف طرف القوس ووتره . ( 59 ) الدهناء : الفلاة . ( 60 ) الصمان : أرض غليظة دون الجبل ، وهي محاددة للدهناء في شرقي الجزيرة العربية . ( 61 ) العكاك : شدة الحر مع سكون الريح . ( 62 ) البشام : شجر طيب الرائحة تتخذ عيدانه لإخراج ما دخل بين الأسنان من الطعام . ( 63 ) الوطاب : الثدي العظيم . ( 64 ) الكشي - بضم الكاف - جمع الكشية : شحمة مستطيلة في جنبي الضب من العنق إلى أصل الفخذ . والمكن - بفتح الميم وسكون الكاف وكسرها - : بيض الجرادة ونحوها . ( 65 ) القيصوم : ما طال من العشب . الشيخ : نبات أنواعه كثيرة كله طيب الرائحة ، واحده " شيحة " .