البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة ، وصد عن سبيل الله - أي صرف الناس عنه وهو دين
الله ، الذي جاءت به الرسل ، في قول ابن عباس وغيره - فهو داخل في هذه الآية ، وقد
قال صلى الله عليه وسلم : " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون " وهو حديث
صحيح . وما أكثر ما هم في هذه الأزمان ، والله المستعان . وقيل : " يستحبون " أي يلتمسون
الدنيا من غير وجهها ، لأن نعمة الله لا تلتمس إلا بطاعته دون معصيته . ( ويبغونها عوجا )
أي يطلبون لها زيغا وميلا لموافقة أهوائهم ، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم . والسبيل تذكر
وتؤنث . والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرضي ، وفي كل ما لم يكن قائما ، وبفتح
العين في كل ما كان قائما ، كالحائط والرمح ونحوه ، وقد تقدم في " آل عمران " وغيرها .
( أولئك في ضلال بعيد ) أي ذهاب عن الحق بعيد عنه .
قوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم ( 4 )
قوله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول ) أي قبلك يا محمد ( إلا بلسان قومه ) أي بلغتهم ،
ليبينوا لهم أمر دينهم ، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة ، فهي اسم
جنس يقع على القليل والكثير ، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية ، لأن كل من ترجم
له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة ، وقد قال الله تعالى :
" وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا " ( 2 ) [ سبأ : 28 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : " أرسل كل نبي
إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه " . وقال صلى الله عليه وسلم :
" والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي
أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " . خرجه مسلم ، وقد تقدم . ( فيضل الله من يشاء
ويهدى من يشاء ) رد على القدرية في نفوذ المشيئة ، وهو مستأنف ، وليس بمعطوف على
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 154 .
( 2 ) راجع ج 14 ص 300 .