قوله تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم
فيعتبروا . ( ولدار الآخرة خير ) ابتداء وخبره . وزعم الفراء أن الدار هي الآخرة ، وأضيف
الشئ إلى نفسه لاختلاف اللفظ ، كيوم الخميس ، وبارحة الأولى ، قال الشاعر :
ولو أقوت عليك ديار عبس ( 1 ) * عرفت الذل عرفان اليقين
أي عرفانا يقينا ، واحتج الكسائي بقولهم : صلاة الأولى ، واحتج الأخفش بمسجد الجامع .
قال النحاس : إضافة الشئ إلى نفسه محال ، لأنه إنما يضاف الشئ إلى غيره ليتعرف به ،
والأجود الصلاة الأولى ، ومن قال صلاة الأولى فمعناه : عند صلاة الفريضة الأولى ، وإنما
سميت الأولى لأنها أول ما صلي حين فرضت الصلاة ، وأول ما أظهر ، فلذلك قيل لها أيضا
الظهر . والتقدير : ولدار الحال الآخرة خير ، وهذا قول البصريين ، والمراد بهذه الدار الجنة ،
أي هي خير للمتقين . وقرئ : " وللدار الآخرة " . وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم
( أفلا تعقلون ) بالتاء على الخطاب . الباقون بالياء على الخبر .
قوله تعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل ) تقدم القراءة فيه ومعناه ( 2 ) . ( وظنوا أنهم كذبوا )
وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم . وهذا الباب عظيم ، وخطره جسيم ،
ينبغي الوقوف ، عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم . المعنى : وما أرسلنا قبلك يا محمد
إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب .
( 3 ) " حتى إذا استيأس الرسل " أي يئسوا من إيمان
قومهم . " وظنوا أنهم قد كذبوا " بالتشديد ، أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم . وقيل المعنى :
حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم ، لا أن القوم كذبوا ، ولكن الأنبياء ظنوا وحسبوا
أنهم يكذبونهم ، أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك ، فيكون " وظنوا " على بابه في هذا
التأويل . وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع
والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش
وخلف " كذبوا " بالتخفيف ، أي ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ،
هامش
( 1 ) وفى رواية : " فإنك لو حللت ديار عبس " في ع وك وى : عرفت الدار .
( 2 ) راجع ص 241 من هذا الجزء .
( 3 ) من ع وح الجمل عن القرطبي . وفى ا وح وك ى : بالعقاب .