الفريقين في الدارين ، فوقع لفظ الاستثناء ، والعزيمة قد تقدمت في الخلود ، قال : وهذا
مثل قوله تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " [ الفتح : 27 ] وقد علم أنهم يدخلونه حتما ،
فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا ، إذ المشيئة قد تقدمة ، بالعزيمة في الخلود في الدارين
والدخول في المسجد الحرام ، ونحوه عن الفراء . وقول : حادي عشر - وهو أن الأشقياء
هم السعداء ، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم ، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم ، وبيانه
أن " ما " بمعنى " من " استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون
منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما معهم من الإيمان ، واستثنى من الداخلين في الجنة
المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة . وهم
الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني ، كأنه قال تعالى : " فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير
وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك "
ألا يخلده فيها ، وهم
الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ،
فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء ، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء ، كما روى الضحاك
عن ابن عباس إذ قال : الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم
الجنة .
وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي " وأما الذين سعدوا " بضم السين . وقال
أبو عمرو : والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا . قال النحاس : ورأيت
علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي " سعدوا " مع علمه بالعربية ! إذ كان هذا لحنا
لا يجوز ، لأنه إنما يقال : سعد فلان وأسعده الله ، وأسعد مثل أمرض ، وإنما احتج
الكسائي بقولهم : مسعود ولا حجة له فيه ، لأنه يقال : مكان مسعود فيه ، ثم يحذف فيه
ويسمى به . قال المهدوي : ومن ضم السين من " سعدوا " فهو محمول على قولهم : مسعود
وهو شاذ قليل ، لأنه لا يقال : سعده الله ، إنما يقال : أسعده الله . وقال الثعلبي : " سعدوا "
بضم السين أي رزقوا السعادة ، يقال : سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون " سعدوا " بفتح
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 102
مساهمون: القرطبي
ص١٠٢