جهنم حتى إذا صاروا كالحممة ( 1 ) أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون " وقد تقدم
هذا المعنى في " النساء " ( 2 ) وغيرها . الثالث - أن الاستثناء من الزفير والشهيق ، أي لهم فيها
زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره ، وكذلك لأهل الجنة من
النعيم ما ذكر ، وما لم يذكر . حكاه ابن الأنباري . الرابع - قال ابن مسعود : " خالدين
فيها ما دامت السماوات والأرض " لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها " إلا ما شاء ربك "
وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم .
قلت : وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل ، وتجديد الخلق . الخامس -
أن " إلا " بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام : ما معي رجل إلا زيد ، ولي عليك ألفا درهم
إلا الألف التي لي عليك ( 3 ) . قيل : فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك
من الخلود . السادس - أنه استثناء من الإخراج ، وهو لا يريد أن يخرجهم منها . كما تقول
في الكلام : أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره ، وأنت مقيم على ذلك الفعل ، فالمعنى
أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها ، ذكر هذين القولين
الزجاج عن أهل اللغة ، قال : ولأهل المعاني قولان آخران ، فأحد القولين : " خالدين فيها
ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك " من مقدار موقفهم على رأس قبورهم ،
وللمحاسبة ، وقدر مكثهم في الدنيا ، والبرزخ ، والوقوف للحساب . والقول الآخر - وقوع
الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب ، وتقديره : " خالدين فيها ما دامت السماوات
والأرض إلا ما شاء ربك " من زيادة النعيم لأهل النعيم ، وزيادة العذاب لأهل الجحيم .
قلت : فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا
واختاره الترمذي ( 4 ) الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي ، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات
والأرض ، وذلك مدة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه ، وهو قوله سبحانه :
" يوم تبدل الأرض غير الأرض " ( 5 ) [ إبراهيم : 48 ] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم ، واشترى منهم أنفسهم
هامش
( 1 ) الحمم : الرماد والفحم وكل ما احترق من النار ، والواحدة حمة .
( 2 ) راجع ج 5 ص 332
( 3 ) وعبارة البحر : لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف .
( 4 ) يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا .
( 5 ) راجع ص 382 من هذا الجزء