وإنما تكون بالايمان والعبادة وأداء الطاعة . وهذا بين لا غبار عليه . ويقال : إن المشركين
سألوا اليهود وقالوا : نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام ، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟
فقالت لهم اليهود عنادا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم أفضل . وقد اعترض هنا إشكال
وهو ما جاء في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال رجل : ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أسقي الحاج . وقال آخر :
ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام . وقال آخر : الجهاد في سبيل الله
أفضل مما قلتم . فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
- وهو يوم الجمعة - ولكن إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه . فأنزل
الله عز وجل : " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر "
إلى آخر الآية . وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه
الأعمال . وحينئذ لا يليق أن يقال لهم في آخر الآية : " والله لا يهدي القوم الظالمين " فتعين
الاشكال . وإزالته بأن يقال : إن بعض الرواة تسامح في قوله ، فأنزل الله الآية . وإنما قرأ
النبي صلى الله عليه وسلم الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذ . واستدل
بها النبي صلى الله عليه وسلم على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر ، فاستفتى
لهم فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه ، لا أنها نزلت في هؤلاء . والله أعلم . فإن قيل : فعلى هذا
يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين ، ومعلوم أن أحكامهم مختلفة . قيل له :
لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين . وقد قال عمر : إنا لو شئنا
لاتخذنا سلائق ( 1 ) وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا سمعنا قول الله تعالى : " أذهبتم طيباتكم
في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها " ( 2 ) [ الأحقاف : 20 ] . وهذه الآية نص في الكفار ، ومع ذلك ففهم منها عمر
الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة . فيمكن أن تكون
هذه الآية من هذا النوع . وهذا نفيس وبه يزول الاشكال ويرتفع الابهام ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) سلائق : الحملان المشوية ويروى بالصاد .
( 2 ) راجع ج 16 ص 199 .