تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
فكان الاثخان أحب إلي . والاثخان : كثرة القتل ، عن مجاهد وغيره . أي يبالغ في قتل المشركين . تقول العرب : أثخن فلان في هذا الامر أي بالغ . وقال بعضهم : حتى يقهر ويقتل . وأنشد المفضل : تصلي الضحى ما دهرها بتعبد * وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا وقيل : " حتى يثخن " يتمكن . وقيل : الاثخان القوة والشدة . فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الاسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى : " فإما منا بعد وإما فداء " ( 1 ) [ محمد : 4 ] على ما يأتي بيانه في سورة " القتال " إن شاء الله تعالى . وقد قيل : إنما عوتبوا لان قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك . وذلك كله عظيم الموقع فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا ، فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه . والله أعلم . الثالثة - أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : ( إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم ) . فقالوا : نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون . وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا . وقد مضى في " آل عمران " ( 2 ) القول في هذا . وقال عبيدة السلماني : طلبوا الخيرتين كلتيهما ، فقتل منهم يوم أحد سبعون . وينشأ هنا إشكال وهي : - الرابعة - وهو أن يقال : إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله " لمسكم " . فالجواب - أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ، ثم وقع التخيير بعد ذلك . ومما يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط : أسيري يا رسول الله . وقال مصعب بن عمير الذي أسر أخاه : شد عليه يدك ، فإن له أما
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 226 . ( 2 ) راجع ج 4 ص 193 .