فكان الاثخان أحب إلي . والاثخان : كثرة القتل ، عن مجاهد وغيره . أي يبالغ في قتل
المشركين . تقول العرب : أثخن فلان في هذا الامر أي بالغ . وقال بعضهم : حتى يقهر
ويقتل . وأنشد المفضل :
تصلي الضحى ما دهرها بتعبد * وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا
وقيل : " حتى يثخن " يتمكن . وقيل : الاثخان القوة والشدة . فأعلم الله سبحانه وتعالى
أن قتل الاسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم . وقال ابن عباس رضي الله عنه :
كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل
بعد هذا في الأسارى : " فإما منا بعد وإما فداء " ( 1 ) [ محمد : 4 ] على ما يأتي بيانه في سورة " القتال "
إن شاء الله تعالى . وقد قيل : إنما عوتبوا لان قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف
في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك . وذلك كله عظيم
الموقع فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا ، فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم
ما توجه . والله أعلم .
الثالثة - أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : ( إن شئتم
أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم ) .
فقالوا : نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون . وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام
نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا . وقد مضى في " آل عمران " ( 2 ) القول
في هذا . وقال عبيدة السلماني : طلبوا الخيرتين كلتيهما ، فقتل منهم يوم أحد سبعون .
وينشأ هنا إشكال وهي : -
الرابعة - وهو أن يقال : إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله " لمسكم " .
فالجواب - أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ، ثم وقع التخيير بعد ذلك . ومما
يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط :
أسيري يا رسول الله . وقال مصعب بن عمير الذي أسر أخاه : شد عليه يدك ، فإن له أما
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 226 .
( 2 ) راجع ج 4 ص 193 .