تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الاثخان ( 1 ) . ولهم هذا الاخبار بقوله " تريدون عرض الدنيا " . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قط عرض الدنيا ، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية . هذا قول أكثر المفسرين ، وهو الذي لا يصح غيره . وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد ابن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة ، ولكنه عليه السلام شغله بغت الامر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء ، ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات . والله أعلم . روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب ، وقد تقدم أوله في " آل عمران " ( 2 ) وهذا تمامه . قال أبو زميل : قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ) ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية ، فتكون لنا قوة على الكفار ، فعسى الله أن يهديهم للاسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ترى يا بن الخطاب ) ؟ قلت : لا والله يا رسول الله ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان ( نسيبا لعمر ) فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها . فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) ( شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم ) وأنزل الله عز وجل " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله تعالى : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " [ الأنفال : 69 ] فأحل الله الغنيمة لهم . وروى يزيد بن هارون
هامش
( 1 ) الاثخان في الشئ : المبالغة فيه والاكثار منه ، والمراد به هنا : المبالغة في قتل الكفار . ( 2 ) راجع ج 4 ص 193 .