تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
وقال الراجز فأضرب وجوه الغدر الأعداء * حتى يجيبوك إلى السواء وقال الكسائي : السواء العدل . وقد يكون بمعنى الوسط ، ومنه قوله تعالى : " في سواء الجحيم " ( 1 ) [ الصافات : 55 ] . ومنه قول حسان : يا ويح أصحاب النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد الفراء : ويقال " فأنبذ إليهم على سواء " جهرا لا سرا . الثالثة - روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ) . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما كان الغدر في حق الامام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة ، فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح ، فتشتد شوكته ويعظم ضرره ، ويكون ذلك منفرا عن الدخول في الدين ، وموجبا لذم أئمة المسلمين . فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحيل عليه بكل حيلة ، وتدار عليه كل خديعة . وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحرب خدعة ) ( 2 ) . وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الامام الغادر ( 3 ) ، على قولين . فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه ، بخلاف الخائن والفاسق . وذهب بعضهم إلى الجهاد معه . والقولان في مذهبنا . قوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون ( 59 ) قوله تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا ) أي من أفلت من وقعة بدر سبق إلى الحياة . ثم استأنف فقال : " إنهم لا يعجزون " أي في الدنيا حتى يظفرك الله بهم . وقيل : يعني في الآخرة . وهو قول الحسن . وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة " يحسبن " بالياء والباقون بالتاء ، على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل . و " الذين كفروا " مفعول أول . و " سبقوا " مفعول ثان . وأما قراءة الياء فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم
هامش
( 1 ) راجع ج 15 ص 83 . ( 2 ) في كشف الخفا : مثلت الخاء والفتح أشهر والدال ساكنة فيهن قالوا : أفصحها الفتح مع سكون الدال وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم . ( 3 ) العدو اليوم لا يعتد بعهد ولا ذمة ففاجأته من ضروب الفن الحربي .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 33 | القرطبي / أبو إسحاق إبراهيم أطفيش