الخامسة - فإن فر فليستغفر الله عز وجل . روى الترمذي عن بلال بن يسار بن
زيد قال : حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من قال أستغفر الله
الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فر من الزحف " .
قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
السادسة - قوله تعالى : ( إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) التحرف : الزوال
عن جهة الاستواء . فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم ، وكذلك المتحيز
إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا . روى
أبو داود عن عبد الله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
فحاص ( 1 ) الناس حيصة ، فكنت فيمن حاص ، قال : فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا
من الزحف وبؤنا بالغضب . فقلنا : ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد .
قال : فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كانت لنا توبة
أقمنا ، وإن كان غير ذلك ذهبنا . قال : فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة
الفجر ، فلما خرج قمنا إليه فقلنا ، نحن الفرارون ، فأقبل إلينا فقال : " لا بل أنتم العكارون "
قال : فدنونا فقبلنا يده . فقال : ( أنا فئة المسلمين ) . قال ثعلب : العكارون هم العطافون .
وقال غيره : يقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكر راجعا : عكر واعتكر . وروى جرير
عن منصور عن إبراهيم قال : انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال : يا أمير
المؤمنين ، هلكت ! فررت من الزحف . فقال عمر : أنا فئتك . وقال محمد بن سيرين :
لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال : لو انحاز إلي لكنت له فئة ، فأنا فئة كل مسلم .
وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة ، لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين
حيث كانوا . وعلى القول الآخر يكون كبيرة ، لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة
للحرب . هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة . قالوا : وإنما كان ذلك القول
هامش
( 1 ) خاص : جال ، أي جالوا جولة يطلبون الفرار .