وعمرا جالسا ، بل كان يجوز في الابتداء زيدا منطلقا ، لأن المخبر معلم ، وهذا لا يقوله أحد
من النحويين .
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا
فلا تولوهم الأدبار ( 15 ) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال
أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس
المصير ( 16 )
فيه سبع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( زحفا ) الزحف الدنو قليلا قليلا . وأصله الاندفاع على
الألية ، ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا . والتزاحف : التداني والتقارب ،
يقال : زحف إلى العدو زحفا . وازدحف القوم ، أي مشى بعضهم إلى بعض . ومنه
زحاف الشعر ، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر . يقول :
إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم . حرم الله ذلك على المؤمنين حين
فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار . قال ابن عطية : والأدبار جمع دبر . والعبارة بالدبر
في هذه الآية متمكنة الفصاحة ، لأنها بشعة على الفار ، ذامة له .
الثانية - أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار . وهذا
الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين ، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف
المؤمنين ( 2 ) من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم . فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف . ومن
فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف ، ولا يتوجه عليه الوعيد . والفرار كبيرة موبقة بظاهر
القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة . وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة : إنه يراعى
الضعف والقوة والعدة ، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس ( 2 ) من مائة فارس إذا علموا أن ما عند
المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم . وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا
هامش
( 1 ) في ب ، ج ، ه ، ك : مؤمنة .
( 2 ) في ج ، ه : أمام .