لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات . قال النقاش : أجمع أهل
التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة . النحاس : وفي اللغة يجب أن
يكون في كل شئ ، إلا أن يدل دليل على اختصاص شئ . وقال الزجاج : يجوز أن يكون
" فاستمعوا له وأنصتوا " اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه . والإنصات : السكوت للاستماع
والإصغاء والمراعاة . انصت ينصت إنصاتا ، ونصت أيضا ، قال الشاعر :
قال الإمام عليكم أمر سيدكم * فلم نخالف وأنصتنا كما قالا
ويقال : أنصتوه وأنصتوا له ، قال الشاعر :
إذا قالت حذام فأنصتوها * فإن القول ما قالت حذام
وقال بعضهم في قوله " فاستمعوا له وأنصتوا " : كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصا
ليعيه عنه أصحابه .
قلت : هذا فيه بعد ، والصحيح القول بالعموم ، لقوله : " لعلكم ترحمون " والتخصيص
يحتاج إلى دليل . وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له : إن المشركين كانوا يكثرون اللغط
والشغب تفنتا وعنادا ، على ما حكاه الله عنهم : " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا
فيه لعلكم تغلبون " . فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة
وأن يستمعوا ، ومدح الجن على ذلك فقال : " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون
القرآن ( 1 ) " الآية . وقال محمد بن كعب القرظي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة
أجابه من وراءه ، إذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا مثل قوله ، حتى يقضي فاتحة الكتاب
والسورة . فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث ، فنزل : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له
لعلكم ترحمون " فأنصتوا . وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون
من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة في هذه الآية : كان الرجل يأتي وهم
في الصلاة فيسألهم كم صليتم ، كم بقي ، فأنزل الله تعالى : " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 210 .