ومنه قيل للردئ من الكلام : خلف . ومنه المثل السائر " سكت ألفا ونطق خلفا " .
فخلف في الذم بالإسكان ، وخلف بالفتح في المدح . هذا هو المستعمل المشهور . قال
صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " . وقد يستعمل كل واحد
منهما موضع الآخر . قال حسان بن ثابت :
لنا القدم الأولى إليك وخلقنا * لأولنا في طاعة الله تابع
وقال آخر .
إنا وجدنا خلفا بئس الخلف * أغلق عنا بابه ثم حلف ( 1 )
لا يدخل البواب إلا من عرف * عبد ا إذا ما ناء بالحمل وقف
ويروى : خضف ، أي ردم ( 2 ) . والمقصود من الآية الذم . ( ورثوا الكتاب ) قال
المفسرون : هم اليهود ، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه ، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه
مع دراستهم له . فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا . يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر
عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم . ( ويقولون
سيغفر لنا ) وهم لا يتوبون . ودل على أنهم لا يتوبون .
قوله تعالى : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) والعرض : متاع الدنيا ، بفتح
الراء . وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير . والإشارة في هذه الآية إلى الرشا
والمكاسب الخبيثة . ثم ذمهم باغترارهم في قولهم ( سيغفر لنا ) وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية
ارتكبوها ، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون ، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم .
قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا . أسند الدارمي أبو محمد :
حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ
هامش
( 1 ) كذا وردت هذه الأبيات في الأصول . والذي في اللسان " مادة خضف " .
إنا وجدنا خلفا بئس خلفا بئس الخلف * عبد إذا ما ناء بالحمل خضف
أغلق عنا بابه ثم حلف * لا يدخل البواب إلا من عرف
( 2 ) الردم : الضراط .