هارون ، فلما فصل ( 1 ) موسى إلى ربه زاده الله عشرا ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله
بما فعلوه من عبادة العجل ، على ما يأتي بيانه . ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة ،
كما أن الأجل مقدر . ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر :
من وقت وحال وعمل ، فيكون مثل ثلث المدة السالفة ، كما أجل الله لموسى . فإن رأى
الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ، ولكن لا بد من التربص
بعدها لما يطرأ من العذر على البشر ، قال ابن العربي . روى البخاري عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ( 2 ) .
قلت : وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى . وكان هذا
لطفا بالخلق ، ولينفذ القيام عليهم بالحق . يقال : أعذر في الأمر أي بالغ فيه ، أي أعذر
غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده . وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته
عليهم ، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( 3 ) " . وقال " وجاءكم النذير ( 4 ) " قيل : هم
الرسل . ابن عباس : هو الشيب . فإنه يأتي في سن الاكتهال ، فهو علامة لمفارقة سن الصبا .
وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع
والاستسلام لله ، وترقب المنية ولقاء الله ، ففيه إعذار بعد إعذار ( 5 ) . الأول بالنبي عليه السلام ،
والثاني بالشيب ، وذلك عند كمال الأربعين ، قال الله تعالى : " وبلغ أربعين سنة قال رب
أوزعني أن أشكر نعمتك ( 6 ) " . فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار
نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها ( 7 ) . قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا ، وهم يطلبون الدنيا
ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس .
الثالثة - ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام ، لقوله تعالى :
" ثلاثين ليلة " لأن الليالي أوائل الشهور . وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن
هامش
( 1 ) فصل : خرج .
( 2 ) أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر .
( 3 ) راجع ج 10 ص 231 .
( 4 ) راجع ج 14 ص 351 .
( 5 ) في ب : وإنذار بعد إنذار .
( 6 ) راجع ج 16 ص 194 .
( 7 ) كذا في ج وك وهو الصواب . وفى ا وب وز وى يشكرهما .