فالخلق المخلوق ، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله : " كن " . " إنما أمره إذا
أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( 1 ) " وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول
من قال بخلق القرآن ، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال : ألا له الخلق
والخلق . وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث . والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه .
ويدل عليه قوله سبحانه . " ومن آياته أن تقوم السماء والأرض ( 2 ) بأمره " . " والشمس
والقمر والنجوم مسخرات بأمره ( 3 ) " . فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره ، فلو كان الأمر
مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به ، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له . وذلك محال .
فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ، ليصح قيام المخلوقات به . ويدل عليه
أيضا قوله تعالى : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ( 3 ) بالحق " . وأخبر تعالى أنه
خلقهما بالحق ، يعني القول وهو قوله للمكونات : " كن " . فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق
به المخلوقات ، لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق . يدل عليه " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين "
. " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( 4 ) " . " ولكن حق القول مني ( 2 ) " . وهذا كله
إشارة إلى السبق في القول في القدم ( 5 ) ، وذلك يوجب الأزل في الوجود . وهذه النكتة كافية
في الرد عليهم . ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم ، مثل قوله تعالى : " ما يأتيهم من ذكر من
ربهم محدث " الآية . ومثل قوله تعالى : " وكان أمر الله قدرا مقدورا ( 2 ) " . و " مفعولا ( 2 ) "
وما كان مثله . قال القاضي أبو بكر : معنى " ما يأتيهم من ذكر ( 4 ) " أي من وعظ من النبي
صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف " إلا استمعوه وهم يلعبون " ، لأن وعظ الرسل
صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر . قال الله تعالى : " فذكر إنما أنت مذكر ( 6 ) " . ويقال :
فلان في مجلس الذكر . ومعنى " وكان أمر الله قدرا مقدورا " و " مفعولا " أراد سبحانه
هامش
( 1 ) راجع ج 15 ص 60 وص 139 .
( 2 ) راجع ج 14 ص 19 وص 965 . 188 .
( 3 ) راجع ج 10 ص 83 وص 53 .
( 4 ) راجع ج 11 ص 345 وص 266 .
( 5 ) في ج : القديم .
( 6 ) راجع ج 20 ص 37 .