وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة ( 1 ) " . قال الحسن بن أبي الحسن : لقد أدركنا أقواما ما كان على
الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا . ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء
فلا يسمع لهم صوت ، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم . وذلك أن الله تعالى يقول :
( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) . وذكر عبد ا صالحا رضي فعله فقال : " إذ نادى ربه نداء
خفيا " . وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء " آمين " أولى من الجهر بها ،
لأنه دعاء . وقد مضى القول فيه في " الفاتحة ( 2 ) " . وروى مسلم عن أبي موسى قال : كنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم في سفر - وفي رواية في غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير -
وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية قال : لا إله إلا الله - فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ( أيها الناس اربعوا ( 3 ) على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا
قريبا وهو معكم ) . الحديث .
الثانية - واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء ، فكرهه طائفة منهم جبير بن مطعم
وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير . ورأى شريح رجلا رافعا يديه فقال : من تتناول بهما ،
لا أم لك ! وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم : قطعها الله . واختاروا إذا دعا الله في حاجة
أن يشير بأصبعه السبابة . ويقولون : ذلك الإخلاص . وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع
يديه . وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم . وروى جواز الرفع عن جماعة من
الصحابة والتابعين ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره البخاري . قال أبو موسى
الأشعري : دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه . ومثله عن أنس .
وقال ابن عمر : رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ( 4 ) .
وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله
هامش
( 1 ) راجع ج 3 ص 332 .
( 2 ) راجع ج 1 ص 127 .
( 3 ) أي أرفقوا بها
ولا تبالغوا في الجهد .
( 4 ) هو خالد بن الوليد ، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بنى جذيمة داعيا
إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر . فنقم النبي صلى الله عليه وسلم على خالد
استعجاله في شأنهم وترك التثبت في أمرهم . راجع كتاب المغازي في صحيح البخاري .