وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة " النساء " مقيدة ، فقال : " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا
النكاح فإن آنستم منهم رشدا ( 1 ) " فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح ، وبين قوة المعرفة وهو
إيناس الرشد ، فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه
في شهوته وبقي صعلوكا لا مال له . وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء
لأبنائهم فكان الاهتبال ( 2 ) بفقيد الأب أولى . وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن ،
لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة . وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله . والمعنى : ولا تقربوا
مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده . وفي الكلام حذف ، فإذا بلغ أشده
وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله . واختلف العلماء في أشد اليتيم ، فقال ابن زيد : بلوغه .
وقال أهل المدينة . بلوغه وإيناس رشده . وعند أبي حنيفة : خمس وعشرون سنة . قال
ابن العربي : وعجبا من أبي حنيفة ، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ولا نظرا وإنما
تثبت نقلا ، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة ، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس ،
ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين ( 3 ) . وقد قيل : إن انتهاء
الكهولة فيها مجتمع الأشد ، كما قال سحيم بن وثيل :
أخو خمسين مجتمع أشدي * ونجذني مداورة الشؤون ( 4 )
يروى " نجدني " بالدال والذال . والأشد واحد لا جمع له ، بمنزلة الآنك وهو الرصاص .
وقد قيل : واحده شد ، كفلس وأفلس . وأصله من شد النهار أي ارتفع ، يقال : أتيته شد
النهار ومد النهار . وكان محمد بن الضبي ينشد بيت عنترة :
عهدي به النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم ( 5 )
هامش
( 1 ) راجع ج 5 ص 33 .
( 2 ) الاهتبال : اغتنام الفرضة وابتغاءها وتكسبها : أي الاشتغال بشأن اليتيم أولى .
( 3 ) في ك : المذهب وفى ز : الذهب . يريد بدار الضرب : بغداد . والمعدن . : معدن الشريعة ومنجمها
المدينة المنورة .
( 4 ) رجل منجد ( بالدال والذال ) : جرب الأمور وعرفها وأحكمها . ومداورة
الشؤون : مداولة الأمور ومعالجتها .
( 5 ) اللبان ( بفتح اللام ) : الصدر . وفي ع : " البنان " وهي رواية .
والعظلم ( بكسر العين واللام وسكون الظاء ) : صبغ أحمر وقيل : هو الوسمة د ، شجر له ورق يختضب به .