والكتاب والسنة دالان على القول الأول ، قال الله تعالى : " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم
أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " ( 1 ) [ البقرة : 224 ] قال ابن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته
فجعل الله له مخرجا في التكفير ، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه . والاخبار دالة على
أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين .
قال ابن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة ، وخرجت على الغالب في أيمان الناس
فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة .
قلت : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال : " الاشراك بالله " قال : ثم ماذا ؟ قال :
" عقوق الوالدين " قال : ثم ماذا ؟ قال : [ اليمين الغموس ] قلت : وما اليمين الغموس ؟ قال :
[ التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب ] . وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : [ من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم
عليه الجنة ] فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : [ وإن كان قضيبا
من أراك ] ومن حديث عبد الله بن مسعود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من حلف
على يمين صبر ( 2 ) يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ] فنزلت
" إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " ( 3 ) [ آل عمران : 77 ] إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة ، فلو أوجبنا
عليه كفارة لسقط جرمه ، ولقي الله وهو عنه راض ، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه ، وكيف
لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب ، واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين بالله
تعالى ، والتهاون بها وتعظيم الدنيا ؟ فأهان ما عظمه الله ، وعظم ما حقره الله وحسبك . ولهذا
قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار .
السادسة - الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل ، فإن فعل حنث ولزمته الكفارة
لوجود المخالفة منه ، وكذلك إذا قال إن فعلت . وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على
حنث لوجود المخالفة ، فإن فعل بر ، وكذلك إن قال إن لم أفعل .
هامش
( 1 ) راجع ج 3 ص 96 .
( 2 ) اليمين الصبر التي ألزم بها وأكره عليها . والصبر الاكراه ، يقال : صبر
الحاكم فلانا على يمين صبرا أي أكرهه .
( 3 ) راجع ج 4 ص 119 .