لم يقصر . والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية ، كالباغي وقاطع الطريق
وما في معناهما . وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في جميع ذلك ، وروي عن
مالك . وقد تقدم في ( البقرة ( 1 ) ) واختلف عن أحمد ، فمرة قال بقول الجمهور ، ومرة قال :
لا يقصر إلا في حج أو عمرة . والصحيح ما قاله الجمهور ، لان القصر إنما شرع تخفيفا عن
المسافر للمشقات اللاحقة فيه ، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز ، وكل الاسفار في ذلك
سواء ، لقوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ) أي إثم ( أن تقصروا
من الصلاة ) فعم . وقال عليه السلام ( خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا ) .
وقال الشعبي ( 2 ) : إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه . وأما سفر المعصية
فلا يجوز القصر فيه ، لان ذلك يكون عونا له على معصية الله ، والله تعالى يقول : ( وتعاونوا
على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ( 3 ) ) .
الرابعة - واختلفوا متى يقصر ، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من
بيوت القرية ، وحينئذ هو ضارب في الأرض ، وهو قول مالك في المدونة . ولم يحد مالك
في القرب حدا . وروي عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة
أميال ، وإلى ذلك في الرجوع . وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها . وروي
عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله ، وفيهم الأسود بن يزيد
وغير واحد من أصحاب ابن مسعود ، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى .
قلت : ويكون معنى الآية على هذا : ( وإذا ضربتم في الأرض ) أي إذا عزمتم على
الضرب في الأرض . والله أعلم . وروي عن مجاهد أنه قال : لا يقصر المسافر يومه الأول
حتى الليل . وهذا شاذ ، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين . أخرجه الأئمة ، وبين
ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال أو سبعة ( 4 ) .
هامش
( 1 ) راجع ج 2 ص 277
( 2 ) هذا حديث رواه أحمد والبيهقي بلفظ ( ان الله يحب أن تؤتى رخصه
كما يحب أن تؤتى عزائمه ) .
( 3 ) راجع ج 6 ص 37
( 4 ) في ج وط : وقيل سبعة .