كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك ( 1 ) -
صلى ركعتين . وهذا لا حجة فيه ، لأنه مشكوك فيه ، وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة
التي بدأ منها القصر ، وكان سفرا طويلا زائدا على ذلك ، والله أعلم . قال ابن العربي :
وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل ، وقائل هذا
أعجمي لا يعرف السفر عند العرب أو مستخف بالدين ، ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت
أن ألمحه بمؤخر عيني ، ولا أفكر فيه بفضول قلبي . ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر ( 2 )
لا في القرآن ولا في السنة ، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب
الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن ، فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون
مسافرا لغة ولا شرعا ( 3 ) ، وإن مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا . كما أنا نحكم على أن من مشى
يوما وليلة كان مسافرا ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها ) وهذا هو الصحيح ، لأنه وسط بين الحالين
وعليه عول مالك ، ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه ، وروي مرة ( يوما وليلة ) ومرة
( ثلاثة أيام ) فجاء إلى عبد الله بن عمر فعول على فعله ، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم ( 4 ) ، وهي
أربعة برد ، لان ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم . قال غيره : وكافة
العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا ، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة
غالبا ، فراعى مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث أحمد
وإسحاق وغيرهما يوما تاما . وقول مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام ، لأنه لم يرد بقوله :
مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله ، وإنما أراد أن يسير سيرا يبيت فيه [ بعيدا ]
عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم . وفى البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران
في أربعة برد ، وهي ستة عشر فرسخا ، وهذا مذهب مالك . وقال الشافعي والطبري :
ستة وأربعون ميلا . وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على خمسة وأربعين ميلا
هامش
( 1 ) أحد رواة سند هذا الحديث .
( 2 ) في ج ، ز : يقع به الفرق .
( 3 ) في ط : شرعا فيه .
( 4 ) رئم ( بكسر أوله وهمز ثانيه وسكونه وقيل بالياء من غير همز ) : واد بالمدينة .