كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا
أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى
ولا تظلمون فتيلا ( 77 )
روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له
أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا نبي الله ، كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا
صرنا أذلة ؟ فقال : ( إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ) . فلما حول الله تعالى إلى المدينة
أمره بالقتال فكفوا ، فنزلت الآية . أخرجه النسائي في سننه ، وقاله الكلبي . وقال مجاهد : هم
يهود . قال الحسن : هي في المؤمنين ، لقوله : ( يخشون الناس ) أي مشركي مكة ( كخشية الله )
فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة . قال السدي : هم قوم أسلموا قبل
فرض القتال فلما فرض كرهوه . وقيل : هو وصف للمنافقين ، والمعنى يخشون القتل
من المشركين كما يخشون الموت من الله . ( أو أشد خشية ) أي عندهم وفي اعتقادهم .
قلت : وهذا أشبه بسياق الآية ، لقوله : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا
إلى أجل قريب ) أي هلا ، ولا يليها إلا الفعل . ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي
كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين
طائعين ، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة ، على ما هو معروف
من سيرتهم رضي الله عنهم . اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الايمان قدمه ، ولا انشرح
بالاسلام جنانه ، فإن أهل الايمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص ، وهو الذي تنفر
نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة . والله أعلم .
قوله تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل ) ابتداء وخبر . وكذا ( والآخرة خير لمن اتقى )
أي المعاصي ، وقد مضى القول في هذا في ( البقرة ( 1 ) ) ومتاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 161