بالعقاب وشدده ، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة . فهذا يربط
لك هذا الباب ويضبطه ، والله أعلم .
الثانية - قوله تعالى : ( ويدخلكم مدخلا كريما ) قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين
( مدخلا ) بضم الميم ، فيحتمل أن يكون مصدرا ، أي إدخالا ، والمفعول محذوف أي وندخلكم
الجنة إدخالا . ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا . وقرأ أهل المدينة بفتح الميم ،
فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل ، التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا ،
ودل الكلام عليه . ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول [ به ( 1 ) ] ، أي وندخلكم مكانا
كريما وهو الجنة . وقال أبو سعيد بن الأعرابي : سمعت أبا داود السجستاني يقول : سمعت
أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : المسلمون كلهم في الجنة ، فقلت له : وكيف ؟ قال : يقول
الله عز وجل : ( إن تجتبوا كبائر ما تنهون ، عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) يعني
الجنة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) . فإذا كان
الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى
على المسلمين . وقال علماؤنا : الكبائر عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب
ما تقدم . وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن
يشاء ) والمراد بذلك من مات على الذنوب ، فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة
بين الاشراك وغيره معنى ، إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له . وروي عن ابن مسعود أنه
قال : خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعا ، قوله تعالى : ( إن تجتنبوا
كبائر ما تنهون عنه ) وقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ( 2 ) ) الآية ، وقوله تعالى :
( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ) الآية ، وقوله تعالى : ( وإن تك حسنة يضاعفها ) ،
وقوله تعالى : ( والذين آمنوا بالله ورسله ( 3 ) ) وقال ابن عباس : ثمان آيات في سورة النساء ، هن
خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : ( يريد الله ليبين لكم ) ، ( والله يريد أن
يتوب عليكم ) ، ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ، ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
هامش
( 1 ) من ب وج وط ود .
( 2 ) راجع ص 245 من هذا الجزء وص 379 و 195
( 3 ) راجع ج 6 ص 6