معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه
الوعيد ، فلا معنى لإعادة ذلك وقرأ الأعمش والنخعي ( نصليه ) بفتح النون ، على أنه
منقول من صلي نارا ، أي أصليته ، وفي الخبر ( شاة مصلية ) . ومن ضم النون منقول بالهمزة ،
مثل طعمت وأطعمت .
قوله تعالى : ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم
وندخلكم مدخلا كريما
فيه مسألتان .
الأولى - لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر ، وعد على اجتنابها التخفيف
من الصغائر ، ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر . وعلى هذا جماعة أهل التأويل
وجماعة الفقهاء ، وأن اللمسة والنظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق ،
لا أنه يجب عليه ذلك . ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى :
( إنما التوبة على الله ) ، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، لكن بضميمة أخرى
إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض . روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن
إذا اجتنب الكبائر . وروى أبو حاتم البستي إلى صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد
الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال : ( والذي نفسي بيده )
ثلاث مرات ، ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم قال : ( ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع
إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق ) ثم تلا ( إن تجتنبوا
كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) . فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر
قطعا كالنظر وشبهه . وبينت السنة أن المراد ب ( تجتنبوا ) ليس كل الاجتناب لجميع الكبائر .
والله أعلم . وأما الأصوليون فقالوا : لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر ،
وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة . ودل على ذلك أنه لو قطعنا
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 158
مساهمون: القرطبي
ص١٥٨