السادسة - والشورى مبنية على اختلاف الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ،
وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه ، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم
عليه وأنفذه متوكلا عليه ، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب ، وبهذا أمر الله تعالى نبيه
في هذه الآية .
السابعة - قوله تعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) قال قتادة : أمر الله تعالى
نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله ، لا على مشاورتهم . والعزم
هو الامر المروى المنقح ، وليس ركوب الرأي دون روية عزما ، إلا على مقطع المشيحين
من فتاك العرب ، كما قال ( 1 ) :
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه * ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه * ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
وقال النقاش : العزم والحزم واحد ، والحاء مبدلة من العين . قال ابن عطية : وهذا خطأ ،
فالحزم جودة النظر في الامر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه . والعزم قصد الامضاء ، والله تعالى
يقول : " وشاورهم في الامر فإذا عزمت " . فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم .
والعرب تقول : قد أحزم لو أعزم ( 2 ) . وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد : " فإذا عزمت "
بضم التاء . نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه ، كما قال : " وما رميت
إذ رميت ولكن الله رمى " [ الأنفال : 17 ] ( 3 ) . ومعنى الكلام أي عزمت لك ووفقتك وأرشدتك " فتوكل
على الله " . والباقون بفتح التاء . قال المهلب : وامتثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم من
أمر ربه فقال : ( لا ينبغي لنبي يلبس لامته ( 4 ) أن يضعها حتى يحكم الله ) . أي ليس
ينبغي له إذا عزم أن ينصرف ، لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة .
فلبسه لامته صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه بالخروج يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه ،
وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر : يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا ، دال على العزيمة . وكان
هامش
( 1 ) هو سعد بن ناشب المازني ( عن الكامل للبرد وخزانة الأدب للبغدادي ) .
( 2 ) يقول : أعرف
وجه الحزم ، فإن عزمت فأمضيت الرأي فأنا حازم ، وإن تركت الصواب وأنا أراه وضيعت العزم لم ينفعني حزمي .
( عن الكامل للبرد ) .
( 3 ) راجع ج 7 ص 384 .
( 4 ) اللامة : الدرع ، وقيل : السلاح .
ولامة الحرب : أداتها . وقد يترك الهمز تخفيفا .