الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال :
حرم الله المشركات على المؤمنين ، ولا أعرف شيئا من الاشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها
عيسى ، أو عبد من عباد الله ! . قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم
بهم الحجة ، لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة ، منهم
عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة . ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير
والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك ، وفقهاء الأمصار عليه . وأيضا فيمتنع
أن تكون هذه الآية من سورة " البقرة " ناسخة للآية التي في سورة " المائدة " لان " البقرة "
من أول ما نزل بالمدينة ، و " المائدة " من آخر ما نزل . وإنما الآخر ينسخ الأول ، وأما حديث
ابن عمر فلا حجة فيه ، لان ابن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا ، فلما سمع الآيتين ، في واحدة
التحليل ، وفى أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما
تؤول عليه ، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل . وذكر ابن عطية : وقال ابن عباس
في بعض ما روى عنه : إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات ، وكل من على غير
الاسلام حرام ، فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في " المائدة " وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ :
ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى . وروى عن عمر أنه فرق بين طلحة
ابن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب ،
فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ! ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة . قال ابن عطية :
وهذا لا يستند جيدا ، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام
فأخلى سبيلها يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات
منهن . وروى عن ابن عباس نحو هذا . وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر
بن الخطاب ، ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس . وقال في آخر كلامه :
ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك . وقال بعض العلماء : وأما الآيتان فلا تعارض
بينهما ، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب ، لقوله تعالى : " ما يود الذين
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 68
مساهمون: القرطبي
ص٦٨