كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ( 1 ) " ، وقال :
" لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ( 2 ) " ففرق بينهم في اللفظ ، وظاهر العطف
يقتضى مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص ، وقوله
تعالى : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ( 3 ) " بعد قوله : " والمحصنات من المؤمنات "
نص ، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل . فإن قيل : أراد بقوله : " والمحصنات
من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا ، كقوله : " وإن
من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ( 4 ) " الآية . وقوله : " من أهل الكتاب أمة قائمة ( 5 ) " الآية .
قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "
وخلاف ما قاله الجمهور ، فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان
المسلمين . فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : " أولئك يدعون إلى النار " فجعل العلة في تحريم
نكاحهن الدعاء إلى النار . والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : " ولامة مؤمنة خير من مشركة "
لان المشرك يدعو إلى النار ، وهذه العلة مطردة في جميع الكفار ، فالمسلم خير من الكافر
مطلقا ، وهذا بين .
الرابعة - وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل ، وسئل ابن عباس عن
ذلك فقال : لا يحل ، وتلا قول الله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( 6 ) "
إلى قوله : " صاغرون " . قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه . وكره مالك
تزوج الحربيات ، لعلة ترك الولد في دار الحرب ، ولتصرفها في الخمر والخنزير .
الخامسة - قوله تعالى : ( ولامة مؤمنة خير من مشركة ) إخبار بأن المؤمنة المملوكة
خير من المشركة ، وإن كانت ذات الحسب والمال . ( ولو أعجبتكم ) في الحسن وغير ذلك ، هذا
قول الطبري وغيره . ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان ، فقال لها حذيفة :
يا خنساء ، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك ، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه ،
فأعتقها حذيفة وتزوجها . وقال السدى : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء
هامش
( 1 ) آية 105 سورة البقرة .
( 2 ) آية 1 سورة البينة .
( 3 ) آية 5 سورة المائدة .
( 4 ) آية 199 سورة آل عمران .
( 5 ) آية 113 سورة آل عمران .
( 6 ) آية 29 سورة التوبة .